رحلة الإمام الشافعي: الحجّة في الفقه واللغة
هو: أبو عبد الله محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع، وُلد في مدينة غزة سنة (150 هـ)، وتشاء الأقدار أن تكون هي السنة التي تُوفّي فيها الإمام أبو حنيفة النعمان، فلم تشأ السماء أن تحرم الإسلام ذلك الإمام حتى تهبه هذا الإمام. ويلتقي الشافعي في النسب مع رسول الله ﷺ في عبد مناف.
ووالدته هي: الشفاء بنت أرقم بن نضلة، ونضلة هو: أخو عبد المطلب جد النبي ﷺ، فيقال: إنه بعد أن فدى نفسه أسلم.
فالشافعي يلتقي مع النبي ﷺ في الجد التاسع للشافعي، والجد الثالث للنبي ﷺ، كما أنه يلتقي معه من ناحية أمه، فنسبه لآل البيت ثابت من كلا الأبوين، وكفى بهذا شرفًا ورفعةً.
نشأته وتربيته
نشأ الإمام الشافعي يتيمًا في حجر أمه، فانتقلت به من غزة إلى مكة وهو ابن سنتين؛ حتى ينشأ على ما ينشأ عليه أقرانه من قبيلته قريش، كما حرصت أمه على الرجوع به إلى مكة حفاظًا على نسبه الشريف من الضياع.
وظلت أمه ترعاه وتقوم بشئونه إلى أن حانت سن تعليمه، فتقدّمت به إلى من يعلمه القرآن الكريم، «ولمّا لم يكن في طاقة أهله القيام بنفقات تعليمه أهمله المعلّم، وانصرف عنه، غير أن المعلّم كان كلما علّم صبيًّا شيئًا كان الشافعي يتلقف ذلك ويحفظه، ثم إذا قام المعلّم أخذ الشافعي مكانه يعلم الصبيان ما حفظ، فرأى المعلّم أن الشافعي يكفيه من أمر الصبيان أكثر من الأجرة التي يطمع فيها منه، فأعفاه من أجر التعليم، واستمر على ذلك؛ حتى حفظ الشافعي القرآن الكريم وهو ابن سبع سنين».
والخلاصة: أن الحدث الناشئ أدرك جلالة المكان، ومهابة الدروس، ومكانة الأساتذة الذين يتحلّق حولهم، وربط الماضي والحاضر، وقارن موقفه ومواقف الذين جلسوا في هذا المكان قبله، فكان استقراره بالمسجد الحرام لا يكاد يبرحه، يجالس العلماء، ويحفظ الحديث، ويُعمل الفكر، ويدقق النظر، فإذا رجع إلى داره انشغل بما رأى وما سمع يدوّنه ويحفظه.
رحلاته
بالطبع لم يكن يتوافر لهذا الحبر الجليل هذا القدر من العلم والفضل، والمعرفة والحلم، إلا ببحث دءوب، وطلب للمعرفة في شتى بقاع الأرض.
فقد خرج إلى قبيلة هذيل بالبادية؛ لشهرتها بالفصاحة والبيان، وأقام بها مدّة، حفظ فيها اللغة وأشعار العرب، وأخبارهم وأنسابهم؛ حتى إن الأصمعي، على جلالته، قرأ عليه أشعار الهذليين، يقول الأصمعي: «صححت أشعار هذيل على فتى من قريش، يقال له: محمد بن إدريس».
اشتغل الشافعي، كما ذكرت كتب السِّيَر عنه، بالعربية عشرين سنة مع بلاغته وفصاحته؛ حتى شهد له أئمة اللغة والنحو بأنه إمام عصره، وممن تؤخذ عنه اللغة.
لقد أدرك الإمام الشافعي، بعد توفيق الله له، أن آلة الاجتهاد في علوم الشرع لن تتأتّى إلا بفقه اللغة فقهًا تامًّا عميقًا؛ لأنها اللسان الذي نزل به القرآن الكريم، ووردت به سنة النبي ﷺ، وسنرى أثر ذلك جليًّا في استنباطه الأحكام الفقهية، فكان إنتاجه متميزًا في الفقه الإسلامي وأصوله.
ثم عاد الشافعي من البادية إلى مكة فلزم مسلم بن خالد الزنجي مفتي مكة وتفقّه به؛ حتى أذن له في الإفتاء وهو ابن خمس عشرة سنة.
كان الإمام مالك، وقتها، قد طبقت شهرته الآفاق، وتناقل الناس كتابه «الموطأ»، وسمت همة الشافعي إلى الذهاب إليه في المدينة؛ حيث يقيم؛ لكنه لم يرد أن يذهب دون أن يحفظ «الموطأ»، فلما جلس الشافعي بين يدي مالك، وقرأ عليه «الموطأ» أعجب به وبفصاحته، وظل الشافعي ملازمًا له؛ حتى وفاته، ينهل من علمه وعلم أكابر المدينة، على ساكنها أفضل الصلاة والسلام.
ثم انتقل الإمام الشافعي للعمل واليًا على نجران، وسار فيهم بالعدل إلى أن وشي به عند هارون الرشيد، فاستدعاه، وسمع منه، فردّ عن نفسه بالبيان والفصاحة، فأطلق سراحه.
ظلّ الإمام الشافعي في بغداد، واتصل بإمام الحنفية هناك محمد بن الحسن، فلازمه وقرأ كُتُبه عليه؛ وبذلك اجتمع للشافعي فقه أهل الحجاز، وفقه أهل العراق، أو ما عُرف بعلم أهل الحديث وعلم أهل الرأي.
من صفاته وأخلاقه
ذكر العلماء أن الإمام الشافعي حين قدم مصر استقبله تلميذه الربيع المرادي، ونصحه بأن يجعل لنفسه مكانة عند الحاكم؛ ليكون عزيزًا في نظر الناس، وأن يدّخر في بيته طعام سنة، فردّ عليه الشافعي قائلًا: «يا ربيع، من لم تُعزه التقوى فلا عز له، ولقد وُلدت بغزة، وربيت في الحجاز، وما عندنا طعام ليلة، وما بتنا جياعًا قط».
وهذا الكلام منه يدل على الثقة المطلقة في الله عز وجل، وقد رُوي عنه أنه قال: «ما ناظرت أحدًا فأحببت أن يخطئ، وما في قلبي من علم إلا وددت أنه عند كل أحد ولا ينسب إليّ».
أمّا عن زهده وورعه، فقد رُوي عنه أنه قال: «أفلست ثلاث مرات، فكنت أبيع قليلي وكثيري؛ حتى حلي ابنتي وزوجتي، ولم أستدن قط».
كان الشافعي جوادًا كريمًا، قدوة في ذلك، لما عفا عنه الرشيد، ومنحه خمسين ألف دينار، فرّقها على حُجّاب أمير المؤمنين قبل أن يخرج من القصر.
وكان من أقواله في تعليم المسلمين: «أرفع الناس قدرًا من لا يرى قدره».
وجملة القول: إن هناك من الآثار التي تدل على كل الصفات الحميدة التي تحلّى بها إمامنا الشافعي، والمبثوثة في كتب التراجم والمناقب التي أُلّفت، ولا تزال، في هذا الإمام المجتهد، وما ذكرناه على سبيل المثال لا الحصر.
من ثمرات رحلاته
- كتاب «الأم»، وهو كتاب جليل القدر، عظيم النفع، نموذج في الكتابة الفقهية الأصيلة، ويُعتبر موسوعة في الفقه الإسلامي، وضع فيه الإمام الشافعي خلاصة الأحكام الفقهية التي استقر عليها بعد حلّه وترحاله بين الحجاز والعراق، ثم استقراره في نهاية المطاف بمصر.
- «الأسماء والقبائل في اختلاف العراقيين»، يذكر فيه المسائل التي اختلف فيها أبو حنيفة وابن أبي ليلى، وغير ذلك الكثير.
وفاته
أحسّ الإمام بقرب الأجل، فأقعده المرض، وتهيأ للرحلة الأخيرة، ودخل عليه تلميذه المزني، فقال: كيف أصبحت؟
قال: «أصبحت من الدنيا راحلًا، وللإخوان مفارقًا، ولكأس المنيّة شاربًا، والله ما أدري روحي تصير إلى الجنة فأهنيها، أم إلى النار فأعزيها؟».
وبعدها أسلم إمام المسلمين وجهه لله، وصعدت روحه إلى بارئها عند العشاء الأخيرة من ليلة الجمعة، ودُفن جثمانه عصر يوم 29 من رجب سنة 204 هـ بمقبرة القرشيين بالمقطم.