رحلة بقي بن مخلد الأندلسي: الإمام الذي ملأ الأندلس حديثًا
إنه الحافظ المفسر، المحقق: بقي بن مخلد بن يزيد، أبو عبد الرحمن، الأندلسي القرطبي، المولود عام 201 هـ = 817 م، والمتوفى 276 هـ = 889 م.
كرَّس بقي بن مخلد حياته للعلم والعمل الصالح، وسيرة حياته عبارة عن مجموعة لا متناهية من العِبر والدروس الخالدة، فكان لا يركب دابة أبدًا، ويتعمد المشي طلبًا للأجر على قدر المشقة؛ حتى إنه مشى من قرطبة إلى إشبيلية مع ضعيف مسكين ليؤازره في مظلمة له، وهي مسافة تبلغ 200 كيلو متر!
كما كان بقي بن مخلد إمامًا مجتهدًا صالحًا، ربانيًّا صادقًا مخلصًا، رأسًا في العلم والعمل، عديم المثل، منقطع القرين، يُفتي بالأثر، ولا يُقلد أحدًا. وكان بقي بن مخلد ورعًا فاضلًا زاهدًا، كثير التهجد مجاب الدعوة.
قال بقي بن مخلد يومًا لطلابه: «أنتم تطلبون العلم، أهكذا يُطلب العلم؟! إنما أحدكم إذا لم يكن عليه شغل يقول: أمضي أسمع العلم، إني لأعرف رجلًا تمضي عليه الأيام في وقت طلبه للعلم لا يكون له عيش إلَّا من ورق الكرنب الذي يلقيه الناس، وإني لأعرف رجلًا باع سراويله غير مرة في شري كاغد حتى يسوق الله عليه من حيث يخلفها!».
رحلاته
يقول الدكتور محمد فؤاد سزكين في كتابه «تاريخ التراث العربي»، في ترجمة (بقي بن مخلد): «وقام بقي بن مخلد القرطبي برحلتين، إلى مصر والشام والحجاز وبغداد؛ طلبًا للعلم، امتدت الرحلة الأولى أربعة عشر عامًا، والثانية عشرين عامًا».
ولا تنس أن ارتحاله كلَّه كان من الأندلس، وعلى قَدَميه، كما صرَّح هو بذلك، قال رحمه الله تعالى: «كل من رحلتُ إليه فماشيًا على قَدَمي، وكل من سمعت منه في البلدان ماشيًا على قَدَمي».
وجاء في «سير أعلام النبلاء»، و«المنهج الأحمد»، و«اختصار النابلسي لطبقات الحنابلة»: «ورحل إلى بغداد على قَدَميه وسنُّه نحوُ عشرين سنة، وكان جُلُّ بغيته ملاقاة الإمام أحمد بن حنبل والأخذ عنه».
على باب الإمام أحمد
حُكي عنه أنه قال: «لما قَرُبتُ من بغداد، اتصل بي خبر المحنة التي دارت على أحمد بن حنبل وأنه ممنوع من الاجتماع إليه والسماع منه، فاغتممت بذلك غمًّا شديدًا، فاحتللت الموضع، فلم أعرج على شيء بعد إنزالي متاعي في بيت اكتريته في بعض الفنادق، أن أتيتُ المسجد الجامع الكبير، وأنا أريد أن أجلس إلى الحلق وأسمع ما يتذاكرون!
فدُفعتُ إلى حلقة نبيلة، فإذا برجل يكشف عن الرجال، فيُضعِّفُ ويقوي، فقلت لمن كان قربي: من هذا؟ فقال: هذا يحيى بن معين. فرأيتُ فرجة قد انفرجت قربه، فقمت إليه، فقلت له: يا أبا زكريا رحمك الله، رجل غريب نائي الدار، أردت السؤال فلا تستجفني. فقال لي: قل، فسألته عن بعض من لقيتُ من أهل الحديث، فبعضًا زكَّى وبعضًا جرَّح.
فسألته في آخر السؤال عن هشام بن عمار، وكنت قد أكثرت من الأخذ منه، فقال: أبو الوليد هشام بن عمار: صاحب صلاة، دمشقيٌّ ثقةٌ وفوق الثقة، لو كانت تحت ردائه كِبرٌ، أو تقلَّد كِبرًا ما ضرَّه شيئًا لخيره وفضله، فصاح أهل الحلقة: يكفيك رحمكُ الله عليك، غيرك له سؤال!
فقلت وأنا واقف على قَدَميَّ: أسألك عن رجل واحد لأعرف حاله: أحمد بن حنبل؟ فنظر إليَّ يحيى بن معين كالمتعجب وقال لي: ومثلُنا نحن يُسأل عن أحمد بن حنبل؟! إن ذاك إمام المسلمين وخيرهم وفاضلهم!
ثم خرجت استدل على منزل أحمد بن حنبل، فدُللت عليه. فقرعت بابه، فخرج إليَّ وفتح الباب، فنظر إلى رجل لم يعرفه، فقلتُ: يا أبا عبد الله، رجل غريب الدار، هذا أول دخولي هذا البلد، وأنا طالب حديث ومقيِّدُ سُنة، أي: جامع سنة، ولم تكن رحلتي إلَّا إليك، فقال لي: ادخل الأسطوان، يعني به: الممر إلى داخل الدار، ولا تقع عليك عين.
فقال لي: أين موضعك؟ قلت: المغرب الأقصى؟ فقال: إفريقية؟ فقلت: أبعد من ذلك، أجوز من بلدي البحر، إلى إفريقية، الأندلس، فقال لي: إن موضعك لبعيد! وما كان شيء أحبَّ إليَّ من أن أُحسنَ عَوْن مثلك على مطلبه، غير أني في حيني هذا مُمتحن بما لعلَّه قد بلغك.
فقلت له: بلى، قد بلغني وأنا قريب من بلدك مقبل نحوك. فقلت له: يا أبا عبد الله، هذا أول دخولي، وأنا مجهول العين عندكم، فإن أذنت لي أن آتي في كل يوم في زيِّ السُّؤال، فأقول عند باب الدار ما يقولونه، فتخرج إلى هذا الموضع، فلو لم تُحدِّثني في كل يوم إلَّا بحديث واحد؛ لكان فيه كفاية، فقال لي: نعم، على شرط، ألَّا تظهر في الحِلق ولا عند أصحاب الحديث، فقلت: شرطك.
فكنت آخذ عودًا بيدي وألف رأسي بخرقة، وأجعل كاغدي، أي أوراقي، وأدواتي في كمي، ثم آتي بابه فأصيحُ: الأجر رحمكم الله، والسؤالُ هنالك كذلك، فيخرج إليَّ، ويُغلق باب الدار، ويحدِّثني بالحديثين والثلاثة والأكثر؛ حتى اجتمع لي نحو ثلاثمائة حديث.
فالتزمتُ ذلك حتى مات المتحنُ له، وولي مَنْ بعد من كان على مذهب السُّنة، فظهر أحمد بن حنبل، وسما ذكره، وعَظُمَ في عيون الناس، وعَلت إمامته، وكانت تضرب إليه آباط الإبل، فكان يعرف لي حق صبري.
فكنت إذا أتيت حلقته فسَّح لي وأدناني من نفسه، ويقول لأصحاب الحديث: هذا يقع عليه اسم طالب العلم، ثم يقُصُّ عليهم قصتي معه، فكان يناولني الحديث مناولةً، ويقرؤه عليَّ، وأقرؤه عليه.
فاعتللت علةً أشفيتُ منها، ففقدني من مجلسه فسأل عني، فأُعلم بعلتي، فقام من فوره مقبلًا، فبدر إليَّ صاحب الفندق مُسرعًا، فقال لي: يا أبا عبد الرحمن، هذا أبو عبد الله أحمد بن حنبل إمام المسلمين مُقبلًا إليك عائدًا لك!
فدخل فجلس عند رأسي وقد احتشى البيتُ من أصحابه فلم يسعهم؛ حتى صارت فرقة منهم في الدار وقوفًا وأقلامهم بأيديهم، فما زادني على هذه الكلمات، فقال لي: «يا أبا عبد الرحمن أبشر بثواب الله، أيام الصحة لا سقم فيها، وأيام السقم لا صحة فيها، أعلاك الله إلى العافية، ومسح عنك بيمينه الشافية»؛ فرأيتُ الأقلام تكتبُ لفظهُ.
ثم خرج عني، فأتاني أهل الفندق يلطُفون بي، ويخدمونني ديانةً وحسبةً، فواحد يأتي بالفراش، وآخرُ بلحاف وبأطايب من الأغذية، وكانوا في تمريضي أكثر من تمريض أهلي لو كنت بين أظهرهم؛ لعيادة الرجل الصالح لي».
من ثمرات رحلاته
وبعد طول سفر، عاد بقي بن مخلد إلى الأندلس ليفيد بعلمه، وما جمعه، فألف التفسير والمسند، قال ابن بشكوال عنه: لم يؤلَّف مثله في الإسلام، وله كتاب في «الحديث» رتَّبه على أسماء الصحابة.
قال ابن حزم: «ومُسند بقي روى فيه عن ألف وثلاثمائة صاحب ونيِّف، ورتب حديث كل صاحب على أبواب الفقه فهو مُسند ومصنَّف، وما أعلم هذه الرتبة لأحد قبله مع ثقته وضبطه وإتقانه واحتفاله في الحديث، وله «مصنَّف» في فتاوى الصحابة والتابعين فمن دونهم الذي قد أربى فيه على مصنَّف ابن شيبة، وعلى مصنَّف عبد الرزاق، وعلى مصنَّف سعد بن منصور»، ثم إنه نوَّه بذكر تفسيره، وقال: «فصارت تصانيف هذا الإمام الفاضل قواعد الإسلام لا نظير لها، وكان متخيرًا لا يقلد أحدًا، وكان ذا خاصة من أحمد بن حنبل وجاريًا في مضمار البخاري ومسلم والنسائي».
أدخل بقي بن مخلد مُصنَّف ابن أبي شيبة، وكتاب الأم للشافعي، وكتابي: التاريخ والطبقات لخليفة بن خياط، وكتاب «سيرة عمر بن عبد العزيز» لأحمد بن إبراهيم الدورقي إلى الأندلس.
وقال الذهبي: «إنه ببقي بن مخلد وبمحمد بن وضَّاح صارت الأندلس دار حديث». كما قال عنه: «كان إمامًا مجتهدًا صالحًا، ربانيًّا صادقًا مخلصًا، رأسًا في العلم والعمل، عديم المثل، منقطع القرين، يفتي بالأثر، ولا يُقلد أحدًا». وقال أيضًا: «إنه كان من كبار المجاهدين في سبيل الله، يُقال: إنه شهد سبعين غزوة».
كما قال ابن الفرضي: «إن بقي بن مخلد ملأ الأندلس حديثًا».