رحلة البيروني: أكبر عقلية علمية عرفها التاريخ
هو: محمد بن أحمد البيروني الخوارزمي، أبو الريحان. وُلد في بلدة بيرون عام 362 هـ = 973 م، أي: خيوة الحالية، ومنها جاءت نسبته: البيروني التي اشتهر بها، والتي أعطته بعد تحريفها اسم (أليبورون)؛ وهو الاسم الذي اشتهر به في أوروبا خلال العصر الوسيط.
وقد أتيح للبيروني أن يتلقى تعليمًا جيدًا، فقد أسعده الحظ في صدر شبابه، فاتصل برجل يوناني أصبح فيما بعد معلِّمه الأول، واستجابة لطلب هذا المعلم قام الفتى بجمع النباتات والبذور والثمار؛ الأمر الذي ألهب في نفسه الاهتمام بالعلوم الطبيعية.
وكان مربي البيروني «أبو نصر منصور بن علي بن عراق» من أفراد الأسرة المالكة الخوارزمية، عالمًا متألّقًا في الرياضيات والفلك، عرَّف البيروني بهندسة إقليدس وفلك بطليموس القلوذي؛ فأصبح العالم الشاب أهلًا لدراسة الفلك.
كتب البيروني يصف هذه الحِقبة من حياته ما مؤدّاه: سعدت معظم أيامي بالهدايا والمزايا التي كنت أحظى بها، غذتني أسرة عراق بلبنها، وتكفَّل منصورها بتربيتي.
ونظرًا لتطلع البيروني في علم الرياضيات والفلك، فقد حظي بمكانة لدى أمير خوارزم المأمون، الذي تُوفّي 977 م، ولكنه لم يلبث أن اضطر عقب إحدى الانقلابات إلى مغادرة وطنه، وهو في سن العشرين.
رحلاته
غادر وطنه وهو في سن العشرين فرحل إلى سواحل بحر قزوين، وفي جرجان التقى بأكبر أساتذته وهو الطبيب والفلكي المسيحي أبو سهل عيسى، وتعرَّف على ابن مسكويه، وأبي نصر العراقي، وأبي الخير ابن الخمَّار، وهناك أيضًا تمتع بعطف أمير جرجان وطبرستان شمس المعالي قابوس بن وشمكير الزياري الذي حكم بين 976 و 1012 م، فنال عنده منزلة سامية ومحلًّا رفيعًا؛ حتى أراد قابوس، وكان أميرًا أديبًا، اكتسب بدوره بعض الشهرة كناثر وآخذ في العلم بطرف، وضمَّ مجلسه الكثير من الحكماء العظام ما لم يجتمع عند غيره، أن يستوزره؛ فاعتذر.
ولم يلبث البيروني أن أهداه حوالي عام 390 هـ = 1000 م كتابًا في التاريخ وفي علم الأقوام (الإثنوغرافيا) عنوانه: (الآثار الباقية عن العصور الخالية)، عرض ودرس وقارن فيه التقاويم المعروفة لدى مختلف الشعوب.
ويبدو أن ميل هذا الحاكم إلى الاستبداد جعل الحياة شاقة في بلاده؛ الأمر الذي تردد صداه في أشعار متأخرة للبيروني.
وإلى هذا الوقت المبكر من حياته العلمية الحافلة ترجع أيضًا الرسائل التي تبادلها مع معاصره الأصغر منه ابن سينا الذي طبَّقت شهرته الآفاق فيما بعد، والتي تعطي الدليل على عمق معرفته بالفلسفة.
ولدى عودته إلى خوارزم في عام 400 هـ = 1009 م استرد مكانته في بلاد ابن المنعم عليه سابقًا، أي المأمون، وبعد قليل شهد البيروني سقوط ابن المأمون هذا سنة 408 هـ = 1017 م ومقتله.
ومن ثَمَّ أخذت تتقاذفه الدسائس والمؤامرات السياسية، فقد حُمِلَ أسيرًا مع غيره من زملائه إلى غزنة عندما احتل محمود الغزنوي خوارزم باعتباره عنصرًا لا يُطمأن إليه ضمنًا وظاهرًا؛ كي يشمله السلطان الفاتح برعايته؛ لأنه كان نصيرًا للعلوم.
وعندما فكَّر محمود في فتح الهند اصطحب معه جمهرة من العلماء كان من بينهم البيروني ذاته، وهكذا اجتاز البيروني نهر الهندوس في أعقاب الجيوش الغزنوية، وأقام بضعة أعوام في بلاد البراهمة؛ حيث تعلَّم اللغة السنسكريتية.
وقد استفاد البيروني من إقامته الطويلة في الهند والتي بلغت مدَّة أربعين سنة جاب خلالها كل أنحاء الهند، فألَّف كتابه ذائع الصيت «تحقيق ما للهند من مقولة مقبولة في العقل أو مرذولة».
وغادر البيروني الهند عائدًا إلى غزنة في أفغانستان؛ حيث أقام فيها حتى قُبيل عام 421 هـ = 1030 م؛ لأنه كان في هذا التاريخ المذكور في بلاط الأمير الغزنوي الثاني مسعود، الذي حكم من عام 1030 إلى 1040 م، والذي شجَّعه على تأليف كتاب في علم الفلك دعاه «القانون المسعودي»، وأهداه إليه.
وتُوفِّي البيروني في غزنة على الأرجح عام 440 هـ = 1048 م، وكانت وفاته ختام حياة حافلة لرجل حكيم وعظيم، وأحد العباقرة المسلمين الأفذاذ.
من ثمرات رحلاته
خرج البيروني من هذه الرحلات بحصاد من الكتب، أهمها كتاب نقدي تاريخي كبير عن حضارة الهند عنوانه: «تحقيق ما للهند من مقولة مقبولة في العقل أو مرذولة»، وضمَّ هذا الكتاب معلومات عن الهند، كانت جديدة على المسلمين في زمانه، وظلَّت جديدة على الثقافة الغربية الحديثة إلى أواخر القرن الميلادي التاسع عشر، ولم ينته البيروني من كتابه هذا إلَّا بعد سنوات، وقد تُرجم إلى عدد من اللغات الأوروبية الحيّة، واشتهر بين علماء الجغرافيا والتاريخ في أوروبا باسم: «تاريخ الهند».
ويصف المستشرق «روزن» منذ أكثر من سبعين عامًا هذا الكتاب بأنه: «أثر فريد في بابه لا مثيل له في الأدب العلمي القديم أو الوسيط سواءً في الغرب أم في الشرق».
- ومن هذه الرحلات بالهند، نقل البيروني إلى العالم الأرقام الحسابية الغُبارية من الهند إلى العرب، وهي الأرقام المستعملة الآن في بلاد الشمال الإفريقي، وفي أرجاء العالم العربي الأوروبي والأمريكي والآسيوي، ويعرفونها باسم: «الأرقام العربية». ولم تعرف أوروبا هذه الأرقام عن العرب، إلَّا بعد قرنين من وفاة البيروني، وهي أرقام قائمة على الزوايا الهندسية.
- وأتاحت له هذه الرحلات بالهند أن يتحدث لأول مرة عن تاريخ الرياضيات عند العرب، وعند الهنود، ولولا صنيعه ذاك لاندثر هذا التاريخ إلى الأبد، وما يزال نهر «انجارا» بالهند يحمل نفس الاسم الذي منحه له أبو الريحان.
- ولقد نقل البيروني خلال هذه الرحلات عددًا من الكتب الهندية من السنسكريتية إلى العربية، وعددًا من الكتب العربية إلى السنسكريتية، فحقَّق بترجماته هذه تواصل الثقافة والمعرفة بين الشعوب الهندية والشعوب الإسلامية.
- «القانون المسعودي»: وفي رعاية السلطان مسعود، أنجز البيروني كتابه النفيس في علوم الفلك والرياضيات والجغرافيا: «القانون في علوم الهيئة والنجوم» أو «القانون المسعودي»، سجل فيه مبادئ علم الفلك، وعلم التواريخ الرياضي الذي يبحث في تواريخ (تقاويم) الأمم المختلفة، وكيفية تحويل بعضها إلى بعض.
وينعت «كراتشكوفسكي» البيروني بقوله أنه: «لم يتوقف عن تزويد مختلف فروع العلم بمؤلَّفاته العديدة، التي يمكن القول بأنها بلغت ذروتها بكتابه عن الهند».
وفي هذا الكتاب: برهن البيروني على كروية الأرض، وكروية النجوم والكواكب الثابتة والكواكب السيَّارة، وعلى دوران الأرض حول الشمس، ودوران القمر حول الأرض، فسبق ببراهينه علماء الفلك الغربيين بنحو من ستة قرون!
وكان أسبق علماء الفلك في اكتشاف الحركة المحورية للأرض حول نفسها على محور مائل، واكتشاف الحركة الدورية للأرض حول الشمس مرة كل سنة وقدَّمَ تصورًا لقوة الجاذبية الأرضية، كان أحد براهينه على دوران الأرض حول نفسها.
وفي «القانون المسعودي» برهن البيروني على أنَّ للنجوم حركة حول محور فلك البروج، وحدَّد مواقع ألفٍ وتسعةٍ وعشرين نجمًا، ووضع كل نجم منها في مجموعته بدقة في خرائط فلكية للسماوات، وساق توضيحًا هندسيًّا لحركة الكواكب، وربط بين حركاتها وحركة الأرض حول الشمس ولمسار الأرض، وقاس طول السنة، وعرَّف فصولها، والاعتدالين وعيَّن أوقاتهما.
ووضع البيروني قانونه الشهير باسمه؛ لمعرفة قطر الأرض، وطُول محيطها في خط عرض «فندانا» بالهند، على بُعد مائة كيلو متر من مدينة إسلام آباد (عاصمة باكستان الآن)، ولم يزد الفرق الذي حدَّده البيروني لنصف قطر الأرض بقانونه الرياضي، عن أربعة عشر كيلو مترًا إلَّا قليلًا، وهو القانون الذي يعرفه طلاب المدارس الإعدادية والثانوية في دراستهم للجغرافيا الآن!
ووضع البيروني طريقة رياضية جديدة لتحديد الجهات الأربع الأصلية، أينما كان الإنسان على الأرض في البر والبحر. وشرح البيروني مع التعليل والرسوم كسوف الشمس وخسوف القمر، وشفق ما بعد الغروب، وأسباب ظهور الفجر قبل شروق الشمس. واكتشف أن نقطة بُعد الشمس عن الأرض تتحرك درجةً واحدةً كل خمس وثلاثمائة سنة.
وتحدَّث البيروني في قانونه على ما يزيد عن ستمائة بلد ومكان، وصحَّح مواقعها على خطوط الطول، معتمدًا على وقت حدوث خسوف للقمر في مكان مجهول، وآخر معلوم الطول، وعلى وقت الزوال في كل بلد لتحديد خطوط العرض، وعَرَف من الفروق في أوقات الخسوف والزوال المسافة بين البلدان، كما تحدَّث عن هيئة الأرض وتضاريسها؛ فوضع بذلك أساس علم الجيوديسيا (هيئة الأرض).
وقدَّم البيروني في قانونه جداول رياضية، استعمل فيها النسب المثلية، وأوجد من المساحة أطوال أضلاع الأشكال الهندسية المنتظمة. وكان أول من توصَّل من علماء الرياضيات إلى إيجاد النسبة التقريبية (ط). وعَرَف طريقة التقريب المتتابع التي يعرفُها علماءُ الرياضيات في عصرنا. ونجح في استنباط قوانين رياضية جديدة من نظرية «أرشميدس» القديمة عن الخط المنكسر.
- لقد عاش البيروني حياة «علمية» حافلة استمرت نحوًا من خمسين سنة أنجز فيها ثمانية مؤلَّفات كبرى في علم الفلك، وكتبًا أخرى مفردة في: التنجيم، والجغرافيا، والصيدلة، والتاريخ.
- ومائة وإحدى عشرة رسالة علمية في: الإسطرلاب، وقياس الزمن، والجيوديسيا، والحساب، والهندسة، والمثلثات، والأرصاد الجوية، والمعادن، والجواهر، والتاريخ، والدين، والفلسفة، والعقائد.
- وستة عشر كتابًا في الأدب، ساق فيها أشعارًا، وقصَّ أساطير للهنود وللفرس، ولم يبق بعده من كتبه الأدبية سوى شذرات رُويت عنه.
البيروني في نظر الغرب
ولأن البيروني كان عالمًا موسوعيًّا، وضرب بأسهم وفيرة في معظم مجالات المعرفة، وكان في أكثرها مبتكرًا؛ خاصةً في الفلك، والرياضيات، والطبيعة، والجغرافيا الفلكية الرياضية؛ ولأن الحصاد العلمي للبيروني كان فائقًا، وسابقًا في زمانه لنفس الاكتشافات التي قال بها علماء عصر النهضة الأوروبية بعد قرون ستة، فقد بُهِرَ مؤرِّخو العلم الغربيون بهذا الحصاد، وبتلك العقلية البيرونية التي أثمرته!
فكتب عنه: «جورج سارتون» و«شاخت» و«كارلو نالينو» و«مايرهوف» و«آرثر إبهام بوب»، وقالوا: «إن القرن الميلادي الحادي عشر هو عصر البيروني، وهو أعظم عظماء الإسلام، وعالم العلماء، وأكثر الفلكيين ذكاءً، وأوسعهم علمًا».
وإن اسمه هو أبرز اسم في مواكب العلماء الكبار الواسعي الأفق، الذين يمتازُ بهم العصر الذهبي للإسلام، وفي أية قائمة لأكبر علماء الدنيا، يجب أن يكون للبيروني مكانه الرفيع، فهو من أبرز العقول المفكرة في جميع العصور، فعقل البيروني شأن العقول العظيمة مظهر للشمول لا يتقيد بزمن، ولم يكن ممكنًا بدونه أن يكتمل أي تاريخ للرياضيات، أو الفلك، أو الجغرافيا، أو علم الإنسان، أو مقارنة الأديان.
وإن ما كتبه البيروني منذ ألف سنة لسبق به كثيرًا من المناهج والمواقف العقلية التي يُفترض أنها حديثة! وقد كانت شجاعة البيروني الفكرية، وحبه للاطّلاع العلمي، وللحقيقة، وبعده عن الوهم وتسامحه، وإخلاصه لعمله، صفات جعلت من البيروني عبقريًّا مُبدعًا؛ ذا بصيرة شاملة نقَّادة.
تكريم عالم
عاش البيروني في أكثر من وطن، وتناقلت هذه الأوطان عبر التاريخ، لعدد من الدول، وعرف البيروني أكثر من لغة في هذه الأوطان؛ ولذلك تنازع جنسيته وانتماءه: الترك، والفرس، والأفغان، والروس، والعرب، وكل قوم يفخرون بانتساب البيروني لهم.
وتقديرًا لفضل البيروني على العلم، أُنشئت في «طشقند» عاصمة جمهورية أوزبكستان السوفييتية جامعة تحمل اسم «جامعة البيروني»، وأقام المتحف الجيولوجي بـ«جامعة موسكو» تمثالًا له بجوار تماثيل عمالقة علماء الجيولوجيا العظام في العالم، وأصدرت أكاديمية العلوم السوفييتية مجلّدًا عن البيروني وأبحاثه ومؤلّفاته.
وتقديرًا لفضل البيروني على الهند، أصدرت الهند عنه مجلدًا تذكاريًا باللغات الإنجليزية والفرنسية والإيطالية والأردية، وضمَّ هذا المجلد أبحاث البيروني الباقية في كل علم، ومعها ترجمة موجزة لحياته، وكلمة عن مكانته، وعن دوره في تاريخ العلم.
وفي عصرنا الحديث تهتم بالبيروني جامعات: لينينجراد، وبرنستون، وبرلين، وتحقق أبحاثه التسعة عشر الباقية من كتبه، وتبحث عن بقية كتبه المفقودة بين مخطوطات المكتبات العامة والخاصة في أرجاء الأرض.
ويُعتبر البيروني، بكل تأكيد، أحد ألمع الوجوه التي يمكن أن تعتز بها الثقافة العربية من خلال تاريخ الفكر الإسلامي وأكثرها جاذبية، فعلى الرغم من أنَّ اسم البيروني يحتل مكانته من الأدب العربي في ميدان الجغرافية والرحلات، إلَّا أنه يتبين لنا من خلال المصنَّفات التي ذكرنا بعضًا منها، أنه لم يكن جغرافيًّا فحسب؛ بل كان رياضيًّا، وفلكيًّا، وفيلسوفًا، وشاعرًا، وأديبًا، وعالم اجتماع، ومؤرِّخًا.
نعم، كان كل أولئك، وبرز في كل فروع المعرفة الإنسانية هذه، وبعبارة أخرى: كان مؤلَّفًا انتظم نشاطه كل دائرة العلوم المعاصرة له، والتي تحتل بينها العلوم الرياضية والفيزيائية مكانة الصدارة عنده.