أبرز
الموضوعات
  1. الرئيسية
  2. المقالات
  3. رحلة أسد بن الفرات: الأمير الكبير والفقي
مقال٣ دقائق للقراءة

رحلة أسد بن الفرات: الأمير الكبير والفقيه البارع والمحدّث الثقة

بقلم: الشيخ الدكتور عبد الباسط محمد

أن يكون المسلم متميزًا في باب معين من أبواب الخير فهذا شيء يستحق أن يثني عليه الناسُ ويذكرونه، ولكن أن يكون المسلم فقيهًا وعالمًا ومحدّثًا، وقاضيًا ومعلمًا، ومدافعًا عن السنة وقامعًا للبدعة، ومجاهدًا وأميرًا للجيوش وقائدًا لأساطيل أعالي البحار، ومرابطًا في سبيل الله حتى الموت؛ فهذا النوع من الرجال الأبطال لابدّ أن نُؤرِّخ له بماء الذهب؛ خاصةً أن أبناء المسلمين الآن لا يعرفون عنه شيئًا، ورحالتنا هو: أبو عبد الله أسد بن الفرات بن سنان، الأمير الكبير، والفقيه البارع، والمحدِّث الثقة.

وُلد أسد بن الفرات بحرّان، من أعمال بكر بالشام عام 142 هـ = 759 م، وانتقل إلى بلاد المغرب مع أبيه الفرات بن سنان سنة 144 هـ، والذي كان قائدًا للمجاهدين الذين خرجوا لنشر الإسلام في بلاد المغرب، واستقرّ مع أبيه بالقيروان.

نشأ أسد بن الفرات منذ صغره على حُب العلم، وحَفِظَ كتاب الله حتى أتمّه في مرحلة الصِّبا، وأصبح هو نفسه معلّمًا للقرآن الكريم وهو دون الثانية عشرة.

وبعد أن أتم حفظ كتاب الله بدأ في تحصيل العلوم الشرعية حتى برع في الفقه، وكان مُحبًّا للنظر في المسائل المتفرعة، وإعمال العقل، فمال ناحية مذهب أبي حنيفة، وظلّ هكذا حتى التقى علي بن زياد، الذي يُعتبر أوّل من أدخل مذهب الإمام مالك بن أنس بالمغرب، فسمع منه أسد كتاب «الموطأ» وتلقى منه أصول مذهب مالك، وبعدها قرَّر أسد أن ينتقل إلى المشرق في رحلة علمية طويلة ابتداءً من سنة 172 هـ وهو في ريعان الشباب.

رحلاته

قال العلّامة الشيخ محمد مخلوف: رحل به والدهُ وعمره عامان، مع الجُند العربي بقيادة ابن الأشعث، ودخل معه القيروان سنة 146 هـ، ثم دخل تونس وانقطع لقراءة القرآن الكريم وعلومه، وروى «الموطأ» عن ابن زياد، وفي الثامن عشر من عمره رَحَل للمشرق، وأقام بالمدينة المنورة مدّةً وأعاد رواية «الموطأ» على الإمام مالك.

ثم رَحَل للعراق وَلقي أعلامًا من أصحاب أبي حنيفة، منهم الإمامان أبو يوسف ومحمد بن الحسن، وأخذ عنهما عِلمًا غزيرًا، ثم رحل لمصر ولقي جماعة من أعيان العلماء، منهم الإمام عبدُ الرحمن ابن القاسم فلزمه مدّةً، وهناك ألّف «الأسدِيَّة» وهي من أمهات الفقه المالكي.

ثم قفل راجعًا إلى القيروان، وبه انتشر ذكره وظهر علمهُ وارتفع قدْره، وفي سنة 212 هـ جَمَعَ الأمير زيادةُ الله الأغلبيُّ جُيُوشه وأسطولهُ لغزو صقلية، وكان أميرُ الجيش وقاضيه أسد بن الفرات المذكور، فخرج في حفل عظيم وجمع فخيم، من أهل العلم ووجوه الناس؛ لمشايعته.

ولما رأى أسدُ الناس خاصتهم وعامتهم بين يديه وخلفه، قال لهم بعد حمد الله:

«لا إله إلَّا الله وحده لا شريك له، يا معشر الناس، والله ما وليَ لي أب ولا جَدّ ولايةً قطُّ، ولا أحد من سلفي رأى هذا قطُّ، وما رأيتُ ما ترون إلَّا بالأقلام، يعني بتعلم العلم وتحصيله وكتابته وخدمته، فأجهدوا أنفسكم، واتبعوا أبدانكم في طلب العلم وتدوينه، واصبروا على شدته، فإنكم تنالون به خيرَيِّ الدنيا والآخرة».

وهذا الاحتفال انتهى بمرسى سُوسة، ومنها أقلع الأسطول قاصدًا صقلية، ودخلها بعد مكابدة ومشاق، وحصل له فتح عظيم بها، ومات إثر جراحات في حصار سَرَقُوسَة، ودُفِن بذلك الموضع، رحمه الله تعالى، سنة 213 هـ = 828 م.

جعلتُ لك الليل وحدك!

كان أكثر اختلافه إلى محمد بن الحسن الشيباني، ولما حضر عنده قال له: إني غريب قليلُ النفقة، والسماعُ منك نزْر، والطلبة عندك كثير، فما حيلتي؟!

فقال له محمد بن الحسن: اسمع مع العراقيين بالنهار، وقد جعلت لك الليل وحدك، فتبيتُ عندي وأسمعُك.

قال أسد: وكنتُ أبيتُ عنده وينزلُ إليَّ، ويجعلُ بين يديه قدحًا فيه الماء، ثم يأخذ في القراءة، فإذا طال الليلُ ونَعَستُ، ملأ يده ونضح وجهي بالماء فأنتبهُ، فكان ذلك دأبَه ودأبي؛ حتى أتيتُ على ما أريدُ من السماع عليه.

وكان محمد بن الحسن يتعهده بالنفقة حين عَلِم أن نفقته نفدت، وأعطاه مرةً ثمانين دينارًا حين رآه يشربُ من ماء السبيل، وأمدَّه بالنفقة حين أراد الانصراف من العراق.

من ثمرات رحلاته

له مُصنَّف «الأسدية» في فقه المالكية.

متوفر الآن للحجز والشحنلكل المحافظات المصرية والدول العربية. للطلب والاستفسار تواصلوا مع الشيخ مباشرة عبر واتساب، أو من الموقع الرسمي sheikhabdulbasit.com
اقرأ أيضًا

مقالات ذات صلة

كل المقالات ←
مقال٧ دقائق للقراءة

رحلة ابن بطوطة: سيد الرحّالة العرب والمسلمين

تُعتبر رحلة ابن بطوطة مرجعًا رئيسيًّا للجغرافي والمؤرِّخ وعالم الاجتماع، فمحور اهتمامه هو الإنسان، فتناول عادات الناس وتقاليدهم، ولم يقدم مادة تجريدية، ونقل لنا صورًا حيةً لحياة الناس في مشارق الأرض ومغاربها.

من: كتاب «أعظم الرحلات العلمية في تاريخ الأمة الإسلامية» — رحلة ابن بطوطة (ت: 779 هـ)
اقرأ المزيد ←
مقال١٠ دقائق للقراءة

رحلة البيروني: أكبر عقلية علمية عرفها التاريخ

كانت شجاعة البيروني الفكرية، وحبه للاطّلاع العلمي، وللحقيقة، وبعده عن الوهم وتسامحه، وإخلاصه لعمله، صفات جعلت من البيروني عبقريًّا مُبدعًا؛ ذا بصيرة شاملة نقّادة.

من: كتاب «أعظم الرحلات العلمية في تاريخ الأمة الإسلامية» — رحلة البيروني (ت: 440 هـ)
اقرأ المزيد ←
مقال٧ دقائق للقراءة

رحلة ابن خلدون: منشئ علم الاجتماع

لم يكن ابن خلدون علمًا من أعلام التاريخ العربي فحسب؛ بل إنه قائد من قادة الفكر الإنساني، اعترفت له أوروبا بفضل سبقه في بعض ميادين البحث التي طرقها.

من: كتاب «أعظم الرحلات العلمية في تاريخ الأمة الإسلامية» — رحلة ابن خلدون (ت: 808 هـ)
اقرأ المزيد ←