رحلة ابن خلدون: منشئ علم الاجتماع
هو: عبد الرحمن بن محمد بن محمد بن محمد بن الحسن بن محمد بن جابر بن محمد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن خلدون، وأمَّا عن سبب تلقيبه بـ«ابن خلدون»، فهذا نسبةً إلى أحد أجداده القدماء، وهو الجد الذي كان قد دخل الأندلس مع جند اليمانية، بعد الفتح الإسلامي لها، وذلك قبل ولادة «عبد الرحمن» بمدَّة لا تقل عن أربعة قرون.
ويصعد نسب ابن خلدون إلى الصحابي الجليل وائل بن حُجر رضي الله عنه، والذي تولَّى مهمة تعليم القرآن الكريم ونشر الإسلام في بلاد اليمن.
وُلد ابن خلدون بتونس سنة 732 هـ = 1332 م، ولَمَّا بلغ سن التعليم بدأ بحفظ القرآن الكريم وتجويده، ثم تلقى العلم على المشيخة.
وكان أبوه مُعلِّمه الأول بالإضافة إلى علماء الأندلس الذين رحلوا إلى تونس بعد أن شتَّتتهم الحوادث، فكان من هؤلاء أساتذة ابن خلدون ومعلِّميه، فقرأ عليهم القرآن وجوَّده بالقراءات السبع وبقراءة يعقوب، ودرس عليهم العلوم الشرعية من تفسير وحديث وفقه على المذهب المالكي، وأصول توحيده، ودرس عليهم العلوم اللسانية من لغة ونحو وصرف وبلاغة وأدب، ثم درس المنطق والفلسفة والعلوم الطبيعية والرياضيات فيما بعد، وحظي في جميع دراساته بإعجاب أساتذته ونال إجازاتهم.
وبدأ ابن خلدون في سن مُبكرة حياته المستقلة التي أحاط بها الكثير من القلق والاضطراب، فانصرف بعض الشيء عن متابعة دراسته، فتقلَّب في المناصب الحكومية، وكان به نزوع إلى المغامرات السياسية، وربما وَرِثَ هذا الاستعداد عن أسرته؛ لأن كثيرًا من أفرادها اشتغلوا في السياسة، مما زوَّده بخبرة واسعة في شئون الدول وقضايا الحياة.
رحلاته
رحلته الأولى إلى الأندلس ونشاطه فيها
قصد ابن خلدون إلى سَبْتة في طريقه إلى الأندلس سنة 764 هـ، ونزل على الشريف أبي العباس أحمد رئيس الشورى في سَبْتة، فأكرم مثواه.
وجاز من سبتة إلى جبل الفتح، جبل طارق الآن، ومنه إلى غرناطة، وكان اختيار ابن خلدون لغرناطة لما كان بينه وبين سلطانها محمد بن يوسف بن إسماعيل بن الأحمر، ووزيره الأديب الشهير لسان الدين ابن الخطيب صداقة قديمة؛ فاستقبلاه أحسن الاستقبال وأكرما مثواه.
واستأذن ابن خلدون السلطان في استقدام أسرته من قُسَنْطينة، فبعث بهم السلطان من جاء بهم إلى تلمسان، وسار ابن خلدون لتلقيهم وقَدِمَ بهم بعد أن هيَّأ لهم جميع أسباب الراحة والسعادة، وعاش ابن خلدون بضعة أشهر بعد ذلك مع أسرته في رغد وطمأنينة.
غير أن هذه السعادة لم يطل أمدها؛ وذلك لأن أهل السِّعايات، لم يلبثوا أن أفسدوا ما بينه وبين الوزير ابن الخطيب، وتأثَّر الملك بهذه السِّعاية، فحدثت جفوة بين الملك نفسه وابن خلدون، وحينئذ أدرك ابن خلدون أنه لم يبقَ له مقام بغرناطة، وأنه لا مناص له من الرحيل عن الأندلس كلها.
- ووافق ذلك أن أبا عبد الله الحفصي، أمير بجاية، الذي أنزله السلطان أبو عنان عن ملكه، وأخذه أسيرًا بفاس، ثم سجنه مع ابن خلدون لتآمرهما عليه، وعلى حد زعمه كان قد استرد ملكه، واستولى على عرش بجاية منذ سنة 765 هـ، واستوزر يحيى أخا ابن خلدون الأصغر. ولم ينس هذا الأمير ابن خلدون صديقه في محنته، فكتب إلى ابن خلدون يستدعيه من غرناطة ليشاركه في أمره ويوليه حجابته (وهي أرقى منصب في الدولة بعد منصب السلطان، ويشبه منصب رئيس الوزراء في عصرنا الحاضر)؛ وفاءً بالعهد الذي قطعه على نفسه وهما في السجن. استجاب ابن خلدون لهذه الدعوة، ووصل إلى بجاية سنة 766 هـ واستقبله أميرها وأهلها استقبالًا حفيًّا.
- وعاد ابن خلدون بعد ذلك إلى تلمسان بعد أن سَئِمَ السياسة وصروفها، وكره المناصب الحكومية فاعتزلها سبعة أعوام، وذلك ابتداءً من عام 776 هـ، قطع الأربع الأولى منها عند أصدقائه بني عريف، في بقعة شبه بدوية في قلعة ابن سلامة جنوب إقليم قسنطينة، ويقال: «من أعمال وهران في المغرب الأوسط، وهناك انقطع فيها للمطالعة والتأليف، عاملًا دون كلل أو ملل، فأخرج مقدمته الشهيرة في مدَّة خمسة أشهر».
- وفي خلال زيارة له إلى تونس بقصد جمع المادة العلمية لتاريخه تبيَّن له أن الإقامة بالمغرب لم تعد في صالحه بسبب الاضطرابات السياسية، فقرَّر مغادرة تونس إلى الشرق متعللًا بالحج، وخرج من المغرب إلى غير رجعة في عام 784 هـ = 1382 م.
- وبعد أن أقام بعض الوقت بمدينة الإسكندرية غادرها إلى القاهرة التي كانت عاصمة الثقافة الإسلامية بلا منازع؛ للاطِّلاع على أمهات مؤلَّفاتها، فعينه السلطان المملوكي برقوق قاضيًا للمالكية، ثم عزله برقوق، ثم شغل عند ابنه السلطان فرج منصب قاضي قضاة المالكية لمرات عدة، ابتداءً من عام 786 هـ = 1384 م، كما حاضر في الجامع الأزهر الشريف.
وأدَّى ابن خلدون فريضة الحج لأول مرة عام 789 هـ = 1387 م، وعند عودته طاردته الدسائس أيضًا في مصر، فأُعفي من منصبه القضائي ست مرات، وعاش في عزلة كان من جملة أسبابها الحزن العميق الذي انتابه بسبب نكبة أسرته التي استدعاها فغرقت في الطريق.
ولم يبرح مصر حتى هجوم تيمورلنك في بداية القرن الخامس عشر على الشام، فكان في بعثة السلطان فرج عام 803 هـ = 1400 م الذي خرج لصد التتار، وكان بدمشق حين حاصرها تيمورلنك.
وقد اتصل ابن خلدون مع طائفة من العلماء بتيمورلنك لمفاوضته في أمر تسليم المدينة فلم يتم لهم مرادهم، وبقي ضيفًا عليه خمسة وثلاثين يومًا، بعد أن أُعجب به عاهل المغول ودعاه للبقاء في حاشيته، لكنه اعتذر بلباقة، فأذن له تيمورلنك في الرجوع إلى مصر، فأمضى خمسة أعوام، وهي ما تبقى له من حياته بالقاهرة، تارة يقال من منصبه، وطورًا يعود إليه، إلى أن وافته المنية سنة 808 هـ = 1406 م.
من ثمرات رحلاته
لقد حفلت رحلة ابن خلدون بأحداث جليلة كما أشرنا، وكانت شخصيته واضحة فيها، وسبب ذلك أنه كان رجلًا ذكيًّا وعبقريًّا استطاع أن يلم بعلوم عصره بكل حذق ومهارة، ومما قدَّمه للحضارة الإنسانية:
- «ديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر»، وقد جرت العادة باختصار هذا الاسم الطويل في كلمتين: «كتاب العِبر»، وقد اشتهر به ابن خلدون، وهو مُرتب على مقدمة وثلاثة كتب: المقدمة: في فضل علم التاريخ وتحقيق مذاهبه والإلمام بمغالط المؤرِّخين. الكتاب الأول: في العمران، والكتاب الثاني: في أخبار العرب وأجيالهم ودولهم، الكتاب الثالث: في أخبار البربر.
- واشتهر كذلك بالمقدمة التي وضعها لهذا التاريخ، وهي المعروفة باسم «مقدمة ابن خلدون»، تناول فيها عدَّة موضوعات وثيقة الصلة بالجغرافية البشرية والاجتماعية.
- ولم تقتصر مؤلَّفات ابن خلدون على التاريخ والمقدمة؛ بل وضع كتابًا في المنطق، واختصر كذلك فلسفة ابن رشد.
- أَلَّف كذلك في الفقه، والرياضيات، والأدب، ولم ينس ابن خلدون أن يسجل حياته في كتاب: «التعريف بابن خلدون ورحلته غربًا وشرقًا»، وهو كتاب حافل للحياة التي عاشها ابن خلدون، بما فيها من أحداث وأعلام ومشاهد، مما يجعله وثيقة جغرافية تاريخية أدبية تكشف عن العصر الذي عاشه والبلاد التي رآها.
- لم يكن ابن خلدون علمًا من أعلام التاريخ العربي فحسب؛ بل إنه قائد من قادة الفكر الإنساني، اعترفت له أوروبا بفضل سبقه في بعض ميادين البحث التي طرقها، لم يكتب لعصره أو أمته أو لغته فقط؛ بل كتب لكل من شاء أن يتفقه في سياسة الدولة وعلم العمران البشري، وحسبه أنه جمع في جعبته خلاصة تجاربه واتصالاته بدول العرب والمسلمين التي كانت قائمة في عهده بالقارات الثلاث: أوروبا وآسيا وأفريقيا.
ومما يسجل لابن خلدون بالإعجاب، نبوغه في نواحٍ كثيرةٍ، أهمها ما يلي:
- أنه المنشئ الأول لعلم الاجتماع.
- أنه إمام ومجدد في التاريخ.
- أنه إمام ومجدد في فن «الأتوبيوجرافيا»، أي ترجمة المؤلّف لنفسه.
- أنه إمام ومجدد في بحوث التربية والتعليم، وعلم النفس التربوي والتعليمي.
- أنه راسخ القدم في علوم الحديث.
- أنه راسخ القدم في علوم الفقه المالكي.
- أنه لم يغادر أي فرع آخر من فروع المعرفة إلَّا وألمَّ به.
- ولقد سجل الباحث الإنجليزي «روبرت فلينت»، والذي كان أستاذًا في جامعه (أدنبره) سنة 1874 م، في كتابه الشهير: «فلسفة التاريخ» عن ابن خلدون ما يلي: «من وجهة نظر علم التاريخ أو فلسفة التاريخ، يتحلى الأدب العربي باسم من ألمع الأسماء، فلا العالم الكلاسيكي في القرون القديمة، ولا العالم المسيحي في القرون الوسطى يستطيع أن يُقدِّم اسمًا يُضاهي في لمعانه ذلك الاسم».
- ونشر العالم الإيطالي: «استفانو كولوزبو» دراسة عن ابن خلدون، قال فيها: «ليس لأحدٍ أن يُنكر أن ابن خلدون اكتشف مناطق مجهولة في علم الاجتماع... لقد سبق «ميكافيلي» و«مونتسكيو» و«فيكو» إلى وضع علم جديد، هو: «النقد التاريخي»».