رحلة ابن بطوطة: سيد الرحّالة العرب والمسلمين
هو: أبو عبد الله بن محمد بن إبراهيم اللواتي الطنجي، ويشتهر باسم ابن بَطُّوطة، ويبدو أن لقبه «اللواتي» مأخوذ من «لواته»، وهي إحدى قبائل البربر التي كانت تسكن منطقة «ايوالاتن»، أمَّا لقبه «الطنجي» فيرتبط بمدينة «طنجة» التي وُلِد بها عام 703 هـ = 1304 م.
شبَّ ابن بطوطة في مدينة «طنجة» لأسرة عنيت بالعلوم الشرعية، وعُرفت بالبسطة في العيش والسِّعة، واهتم أبوه بتربيته، فدرس الفقه والأدب، وأصبح حريًّا بأن يكون قاضيًا مثل كثير من أهله، ولكن داعيّ الحج إلى البيت الحرام دعاه، فلبَّاه، وخرج من بلده وهو في الثانية والعشرين من عمره.
رحلات ابن بطوطة
بدأ ابن بطوطة الرحلة عام 1325 م، وانتهى منها عام 1354 م، وبتتبع رحلات الرجل نجد أنها تنقسم إلى ثلاث رحلات:
الرحلة الأولى
وتبدأ عام 1325 م، وتنتهي عام 1349 م، وتُعدُّ أكبر الرحلات زمنًا؛ حيث قضى فيها ابن بطوطة أربعة وعشرين سنة، فقد رحل من طنجة مسقط رأسه عام 1325 م، قاصدًا الحج، فمر بمراكش والجزائر فتونس وطرابلس الغرب إلى أن أشرف على مصر ونزلها.
ثم يمَّم شطر (عيذاب) على البحر مجتازًا بلاد الصعيد ليجتاز البحر الأحمر، وشاءت الأقدار ألَّا يجتازه لحرب كانت قائمة بين المماليك والبجاة، وهنا يعود إلى الفسطاط، ويرحل عنها إلى فلسطين ولبنان وسوريا والحجاز فيحج حجته الأولى.
ومن مكة سافر إلى بلاد العراق والعجم وبلاد الأناضول، ثم يعود إلى مكة ليحج الحجة الثانية، ويقيم بها سنتين، ثم يغادرها لليمن، ثم يجتاز البحر إلى أفريقيا الشرقية، ويعود منها مارًّا بجنوبي جزيرة العرب حتى الخليج الفارسي، مارًّا بعمان والبحرين والأحساء، ثم يرجع إلى مكة ويحج الحجة الثالثة.
ويخرج من مكة إلى بلاد الهند، فيمر بخوارزم وخراسان وتركستان وأفغانستان وكابول والسِّند، وهنا يتولى القضاء بدهلي (دلهي) على المذهب المالكي للسلطان محمد شاه، حينما أراد هذا السلطان أن يرسل وفدًا إلى ملك الصين خرج ابن بطوطة فيه، وفي عودته مر بجزيرة سرنديب وجزائر الهند والصين، ومن ثَمَّ عاد إلى بلاد العرب عن طريق سومطرة سنة 1347 م، فزار بلاد العجم والعراق وسوريا وفلسطين، ومنها إلى مكة حيث حج الحجة الرابعة، وبعد هذا رأى أن يعود إلى وطنه فمر بمصر وتونس والجزائر ومراكش، فوصل فاس سنة 1349 م.
الرحلة الثانية
لم تطل إقامة ابن بطوطة في «فاس»؛ حيث أحسَّ في نفسه نزوعًا للرحلة والتجوال، ومن هنا سافر إلى الأندلس مارًّا بطنجة وجبل طارق وغرناطة، وتحدَّث حديثًا قليلًا عن بلاد الأندلس، وبعد ذلك يثوب إلى فاس، وكانت رحلته الأندلسية من عام 1349 م؛ حتى سنة 1352 م.
الرحلة الثالثة
وتبدأ من عام 1352 م؛ حتى عام 1354 م، وكانت هذه الرحلة إلى بلاد السودان، بادئة بسجلماسة، ثم تفازا، ثم مالي وزاغري وكارسخو وتمبكتو وهكار، ومن هناك رجع إلى فاس.
وبعد هذه الجولات كلها استطاعت عقلية الرجل الفذة أن تملي كل ما عرفته على ابن جزي (كاتب الرحلة).
غرائب وعجائب رحلاته
وفي الحديث عن غرائب الرحلة سوف أسرد طرفًا موجزًا مما صادفه ابن بطوطة من حيوان غريب أو إنسان أو عادة غير مألوفة في المجتمع الإنساني، ومما أثار استغرابه وأدهشه:
حكاية الكركدن: في أحد أقاليم الهند المعروف باسم «السِّند» دخل المركب الذي يقل ابن بطوطة غيضة قصب لسلوك الطريق؛ لأنه في وسطها، فيخرج عليهم «الكركدن»، وهو حيوان غريب عجيب، يقول ابن بطوطة في وصفه: «أنه حيوان أسود اللون، عظيم الجرم، رأسه كبير، متفاوت الضخامة؛ ولذلك يُضرب به المثل فيقال: «الكركدن» رأس بلا بدن، وهو دون الفيل، ورأسه أكبر من رأس الفيل بأضعاف، وله قرن واحد بين عينيه، طوله نحو ثلاثة أذرع وعرضه نحو شبر..».
قرود كالسلاطين: وفي سيلان يحكي ابن بطوطة ويقول: «والقرود بتلك الجبال كثيرة جدًّا، وهي سود الألوان لها أذناب طوال، ولذكورها لحى كما هي للآدميين... وأن هذه القرود لها مُقدم تتبعه كأنه سلطان، يشد على رأسه عصابة من أوراق أشجار ويتوكأ على عصا، ويكون عن يمينه ويساره أربعة من القرود لها عصي بأيديها، وأنه إذا جلس القرد المُقدم، تقف القرود الأربعة على رأسه، وتأتي أنثاه وأولاده فتقعد بين يديه كل يوم...».
بيوت من ملح: وفي الرحلة الثالثة بالسودان حينما وصل ابن بطوطة تفاز أعجب من بيوتها؛ لأنها تتخذ من حجارة الملح، وللملح عند السودانيين شأن كبير يتبايعون به كالذهب والفضة عندنا، كما عجب من كثرة الأشجار وضخامتها حتى إن الواحدة تظل القافلة؛ بل وفي بعضها فجوات تُحفظ فيها ماء المطر وكأنها آبار ويشرب منها الناس.
أفراس البحر: حينما أشرف ابن بطوطة على نهر النيجر رأى (16) دابة ضخمة الخِلقة حسبها فيلة، وسأل عنها، فقيل له: إنها أفراس البحر، وقال في وصفها: «إنها أغلظ من الخيل، ولها أعراف وأذناب، ورؤوسها كرؤوس الخيل وأرجلها كأرجل الفيلة، وهي تقوم في الماء وترفع رأسها وتنفخ وهي تُصاد ليؤكل لحمها...».
الأخطار والمشاق التي تعرض لها ابن بطوطة في رحلته
لقد علَّل ابن بطوطة خروجه للرحلة برغبته في أداء فريضة الحج؛ لأن السفر وتجشم متاعب الرحلة لغير غاية واضحة يعترف بها المجتمع لم يكن شيئًا مفهومًا في تلك العصور، ولعلَّ الرجل لو قال، كما نقول نحن اليوم: إني مُسافر للنزهة أو الفرجة أو الترويح عن النفس؛ لاستقلوا عقله ورموه بالحمق وسوء التصرف!!
لأن السفر في تلك العصور لم يكن متعة ولا راحة ولا نزهة، وإنما كان مغامرة بالنفس والمال، فما كانت هناك طرق مواصلات مأمونة، ولا كانت هناك وسائل للراحة!
وإليك بعضًا مما لحق بابن بطوطة من هذه المشاق والمتاعب:
- عندما خرج ابن بطوطة من بجاية بالمغرب الأوسط أصابته الحمى؛ لأن رحلته كانت في وقت القيظ الشديد، فنصحه صاحبه أبو عبد الله الزبيدي بأن يستريح في بجاية حتى يبرأ، فأبى ابن بطوطة وركب الدابة على مرض، وقال: «إن قضى الله عز وجل بالموت فتكون وفاتي على الطريق وأنا قاصد أرض الحجاز»، وقد عني به الزبيدي وأعاره دابة واعتنى به، وقال ابن بطوطة: «وكان ذلك أول ما ظهر لي من الألطاف الإلهية في تلك الوجهة الحجازية».
- وأصابت ابن بطوطة الحمى مرة أخرى وهو في الطريق من بونة إلى تونس، فكان يشد نفسه بعمامته فوق السرج خوف السقوط بسبب الضعف، يقول: «ولا يمكنني النزول من الخوف»، وعندما وصلوا إلى تونس خرج الناس للقاء صاحبيه: أبي عبد الله الزبيدي، أبي عبد الله النفراوي، وتُرك ابن بطوطة وحيدًا لعدم معرفته أحدًا من الناس، فعزَّت عليه نفسه وبكى، واشتد بكاؤه، فرق له فؤاد بعض الناس، فأقبلوا عليه يؤنسونه، فدخل تونس ونزل فيها بمدرسة الكتبيين.
- وفي طريقه للصين استأجر ابن بطوطة مركبًا، وركب فيه ظهير الدين، والملك سنبل، وهو حامل الهدية التي أرسلها الملك محمد تغلق إلى ملك الصين، وحمَّل متاعه، أي ابن بطوطة، وغلمانه وجواريه، ولبث هو على البر ليصعد إلى المركب في الصباح. فما كان بعد الظهر إلَّا وانقلب البحر وهاج، وانقلعت مراسي السفن وأخذتها الأمواج، فلما طلع النهار كان المركب قد بَعُدَ عن المرسى وتعذَّر على ابن بطوطة الصعود، فإذا كان الليل رمى البحر بالمركب الذي كان فيه ظهير الدين، والملك سنبل والهدية، وهلك الاثنان في ذلك وغرقت الهدية، وقال: «وبقيت على الساحل ليس معي إلَّا عشرة دنانير التي أعطانيها الجوكي والبساط الذي كنت أفترشه!».
وهكذا فقد الرَّحالة المسكين كل شيء، ولم يبق له مما ملك غير سروال، ولم يستر جسده إلَّا بثوب وعمامة تصدَّق بها بعض ذوي الرحمة من الناس، ومع ذلك فإن الرجل لا يشكو ذلك ولا يصيبه يأس؛ بل لا نحس في حديثه حزنًا على ما ضاع منه؛ بل يمضي لسبيله صابرًا محتسبًا متقبلًا ما وقع له بثبات الرجل الواعي الذي يعلم أن الأيام دول، وأن الأيام تجري بالشر كما تجري بالخير.
من ثمرات رحلاته
- تُعتبر رحلة ابن بطوطة مرجعًا رئيسيًّا للجغرافي والمؤرِّخ وعالم الاجتماع، فمحور اهتمامه هو الإنسان، فتناول عادات الناس وتقاليدهم، ولم يقدم مادة تجريدية، ونقل لنا صورًا حيةً لحياة الناس في مشارق الأرض ومغاربها.
- حَفِظَ لنا ابن بطوطة في كتابه: «تحفة النُّظَّار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار» حقائق ومعارف لولاه لمحاها الزمن.
- يُعتبر ابن بطوطة صاحب الفضل الأول في استكشاف بعض المناطق الأفريقية جنوب غرب الصحراء، وأهمها: مالي ومدينة تنبكتو، في حين أنه لم يستطع الأوروبيون النفاذ إلى تلك المنطقة قبل أواخر القرن الثامن عشر، على يد الرَّحالة البريطاني (منجو بارك) والرَّحالة الفرنسي (رينيه كايبه).
وفاته
تُوفِّي ابن بطوطة في مراكش عام 779 هـ = 1377 م، وتلقبه جمعية كمبردج في كتبها وأطالسها بـ«أمير الرَّحالين المسلمين» Prince of Moslems Travelers، وفي نابلس بفلسطين أسرة، الآن، تُدعى (بيت بطوطة)، وتُعرف ببيت المغربي، وبيت كمال، تقول إنها من نسل ابن بطوطة.