أبرز
الموضوعات
  1. الرئيسية
  2. المقالات
  3. رحلة الإمام البخاري: صاحب أصح الكتب بعد
مقال٥ دقائق للقراءة

رحلة الإمام البخاري: صاحب أصح الكتب بعد كتاب الله

بقلم: الشيخ الدكتور عبد الباسط محمد

هو: محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة بن بَرْدِزْبَة البخاري، وبردزبة بالبخارية معناه: الزَّرَّاع، والبخاري نسبةً إلى مدينة (بخارى) التي وُلد فيها عام 194 هـ = 810 م، وهي من أعظم مدن ما وراء النهر، وتقع الآن في جمهورية أوزبكستان.

مات إسماعيل بن إبراهيم والد البخاري، ومحمد لا يزال صغيرًا، فنشأ الطفل يتيمًا في حجر أمه، فتولته بالتربية والتأديب، ما كان له الأثر الكبير في بناء شخصيته على الفضائل والمكرمات، وَوَرِثَ من أبيه كذلك صلاحه وتقواه وورعه الذي اشتهر به.

أُلهم البخاري حفظ الأحاديث منذ العاشرة من عمره، ومازالت هذه الرغبة تنمو وتزداد فيه، كذلك كان حريصًا على تمييز الأحاديث الصحيحة من غيرها، ومعرفة العلل والأسانيد، والاطّلاع على أحوال رواة الحديث، واستنباط المسائل من الأحاديث ومقارنتها بالآيات القرآنية.

لقد نشأ البخاري كطراز فذ من الرجال، فقد اشتملت نفسه على الإخلاص، والزهد، والصدق، والسماحة، والعفو، والصبر، وعفة اللسان، ونقاء السِّيرة والسريرة، مما أغرى عارفيه بحبه والقُرب منه، ومدحه بأرفع مديح.

وكان البخاري معايشًا لكتاب الله عز وجل، يقول تاج الدين السُّبكي: «وكان البخاري يختم القرآن كل يوم نهارًا، ويقرأ في الليل عند السَّحَر ثُلثًا من القرآن الكريم؛ فمجموع ورده ختمةٌ وثلثُ ختمة».

رحلاته

لم يزل البخاري يأخذ من مشايخ بلده إلى أن بلغ السادسة عشرة من عمره، ولما فرغ من الأخذ توجَّه نحو الحجاز منبع العلوم الإسلامية، وموطن رسول الله ﷺ ومهبط الوحي، ومسكن أصحاب رسول الله ﷺ.

روى ابن أبي حاتم الورَّاق، كاتب البخاري، أنه كان يقول: «فلما طعنت في ست عشرة سنة حفظت كتب ابن المبارك ووكيع، وعرفت كلام هؤلاء، يعني أصحاب الرأي، قال: ثم خرجت مع أمي وأخي إلى الحج».

ونتبين من رواية الورَّاق هذه أن الإمام البخاري خرج في الرحلة الأولى سنة 210 هـ، وكان ابتداء سماعه سنة 204 أو 205 هـ؛ إذن يكون البخاري قد سمع وهو ابن عشر سنين.

وكان من بين الأئمة الذين كانت تمتاز مجالسهم آنذاك في مكة المكرمة، ويُرجع إليهم في هذا الشأن الإمام الوليد أحمد الأزرقي، وعبد الله بن يزيد، وإسماعيل بن سالم الصائغ، وأبو بكر عبد الله بن الزبير، وغيرهم كثير، وبعد مكة توجَّه البخاري للمدينة.

وفي هذه الرحلة رتَّب كتابه «التاريخ الكبير» في الليالي المُقمرة، وقد اتفق المؤرِّخون على أن إقامته في الحجاز (مكة والمدينة والطائف وجدَّة) ست سنوات، ولكن الواقع أن هذه المدة لم تكن متوالية، أي: أنه لم يقم هذه المدة كلها في رحلة واحدة.

ثم توجَّه إلى البصرة، وكانت تُعدُّ من المراكز العلمية المرموقة من حيث سعة العلم وانتشار الحديث، وقد رحل إليها أربع مرات.

ولمَّا كانت بغداد عاصمة الخلافة العباسية، وبفضل تشجيع الخلافة للعلوم، واجتماع أهل الفضل والكمال من كل ناحية؛ لذا ارتحل البخاري إليها عدَّة مرات، ومن الجدير بالذكر أن من شيوخه في بغداد: الإمام أحمد بن حنبل، وغيره.

وخلاصة القول في رحلات البخاري: أنه طوَّف في مُدن خراسان الواسعة، ومن أشهرها: (نيسابور، وبخارى، والرِّي، وسمرقند، والشاس، ومرو، وهراة، وبلخ)، وغيرها؛ حيث كانت تضجُّ بالعلماء في كل فن.

ثم رحل إلى: بلاد الحرمين، والشام، والعراق، والجزيرة، ومصر، وتنقَّل بين مُدن تلك الأمصار، ونهل من علمائها، فأخذ عن شيوخ مكة، والمدينة، ودمشق، وحمص، وعسقلان، والموصل، وحَرَّان، والكوفة، والبصرة، وبغداد، وواسط، وغيرها.

ولقد تعرَّض إمامنا لمصاعب كثيرة، ومشقات جمَّة، روت كُتب التراجم في سيرته هذين الموقفين الجليلين:

الأول: قال محمد بن أبي حاتم: «سمعت البخاري يقول: خرجتُ إلى آدم بن أبي إياس، من شيوخ البخاري الشاميين، فتخلَّفتْ عني نفقتي؛ حتى جعلت أتناول الحشيش، ولا أخبر بذلك أحدًا، فلما كان اليوم الثالث أتاني آتٍ لم أعرِفْه، فناولني صُرة دنانير، وقال: أنفق على نفسك!».

الثاني: قال أبو بكر محمد بن صابر بن كاتب: «سمعت عمر بن حفص الأشقر يقول: كنا مع محمد بن إسماعيل بالبصرة نكتب الحديث، ففقدناه أيامًا، فطلبناه، فوجدناه في بيتٍ وهو عريان، وقد نفد ما عنده ولم يبق معه شيء، فاجتمعنا وجمعنا له الدراهم؛ حتى اشترينا له ثوبًا وكسوناه، ثم اندفع معنا في كتابة الحديث».

وتُوفِّي البخاري عام 256 هـ = 870 م.

من ثمرات رحلاته

طبَّقت شهرة الإمام البخاري الآفاق، وطار اسمه في الدنيا كل مطار، واشتهرت مصنَّفاته العظيمة الجليلة في الأقطار، وسارت فيها مسير الليل والنهار، وأدهشت العقول والأبصار، وعلى رأس هذه المصنَّفات «صحيح البخاري»، الذي تبوّأ المرتبة الأولى بعد كتاب الله تعالى عند الأمة الإسلامية على مرِّ العصور، ولا يوجد على وجه المعمورة مكان وصل إليه الإسلام إلَّا وتجد فيه عند المسلمين هذا الكتاب المبارك، وقد كتب الله له من القبول ما لم يكتبه لكتاب غيره عدا كتابه العزيز، وأجمع جمهور الأمة وأكابر أئمتها على أنه أصح كُتب السُّنة المطهرة على الإطلاق.

لقد صنَّف البخاري في كل فن، فله كُتب في الحديث النبوي الشريف، وصنَّف في التاريخ والتراجم، وصنَّف في الفقه والتفسير، وصنَّف كذلك في الآداب والزهد والرقائق، وصنَّف في العقائد.

منزلة الإمام البخاري وثناء العلماء عليه

  • يقول شيخه إسحاق بن راهَوَيْه: «يا معاشر أصحاب الحديث، انظروا إلى هذا الشاب واكتبوا عنه فإنه لو كان في زمن الحسن بن أبي الحسن البصري؛ لاحتاج إليه الناسُ لمعرفته بالحديث وفقهه».
  • ويقول شيخه أحمد بن حنبل: «ما أخرجت خراسانُ مثل محمد بن إسماعيل البخاري».
  • ويقول شيخه يحيى بن جعفر البيكندي: «لو قدِرت أن أزيدَ من عُمري في عُمر محمد بن إسماعيل لفعلتُ، فإنَّ موتي يكونُ موتَ رجلٍ واحدٍ، وموتُ محمد بن إسماعيل ذهابُ العلم».
  • ويقول الإمام قتيبة بن سعيد: «لو كان محمد بن إسماعيل البخاري في الصحابة لكان آية».
  • ويقول تلميذه ابن خزيمة: «ما رأيتُ تحت أديم السماء أعلم بحديث رسول الله ﷺ من محمد بن إسماعيل البُخاري».
  • يقول الحافظ ابن حجر: «ولو فتحتُ باب ثناء الأئمة عليه ممن تأخَّر عن عصره؛ لفَنِيَ القرطاس، ونفدت الأنفاس، فذاك بحرٌ لا ساحل له».
متوفر الآن للحجز والشحنلكل المحافظات المصرية والدول العربية. للطلب والاستفسار تواصلوا مع الشيخ مباشرة عبر واتساب، أو من الموقع الرسمي sheikhabdulbasit.com
اقرأ أيضًا

مقالات ذات صلة

كل المقالات ←
مقال٧ دقائق للقراءة

رحلة ابن بطوطة: سيد الرحّالة العرب والمسلمين

تُعتبر رحلة ابن بطوطة مرجعًا رئيسيًّا للجغرافي والمؤرِّخ وعالم الاجتماع، فمحور اهتمامه هو الإنسان، فتناول عادات الناس وتقاليدهم، ولم يقدم مادة تجريدية، ونقل لنا صورًا حيةً لحياة الناس في مشارق الأرض ومغاربها.

من: كتاب «أعظم الرحلات العلمية في تاريخ الأمة الإسلامية» — رحلة ابن بطوطة (ت: 779 هـ)
اقرأ المزيد ←
مقال١٠ دقائق للقراءة

رحلة البيروني: أكبر عقلية علمية عرفها التاريخ

كانت شجاعة البيروني الفكرية، وحبه للاطّلاع العلمي، وللحقيقة، وبعده عن الوهم وتسامحه، وإخلاصه لعمله، صفات جعلت من البيروني عبقريًّا مُبدعًا؛ ذا بصيرة شاملة نقّادة.

من: كتاب «أعظم الرحلات العلمية في تاريخ الأمة الإسلامية» — رحلة البيروني (ت: 440 هـ)
اقرأ المزيد ←
مقال٧ دقائق للقراءة

رحلة ابن خلدون: منشئ علم الاجتماع

لم يكن ابن خلدون علمًا من أعلام التاريخ العربي فحسب؛ بل إنه قائد من قادة الفكر الإنساني، اعترفت له أوروبا بفضل سبقه في بعض ميادين البحث التي طرقها.

من: كتاب «أعظم الرحلات العلمية في تاريخ الأمة الإسلامية» — رحلة ابن خلدون (ت: 808 هـ)
اقرأ المزيد ←