رحلة الإمام أحمد بن حنبل: طاف الدنيا مرتين حتى جمع «مسنده»
إنه رابع الأئمة من الفقهاء، وصاحب الصفات والنعوت الباهرات، التي أطلقها عليه معاصروه وعارفوه، فهو إمام الدنيا، وإمام دار السلام، مُفتي العراق، وعالم السُّنة، وزاهد الوقت، ومُحدِّث الدنيا، والصابر في المحنة، والزاهد المحتسب: أحمد بن حنبل بن هلال بن أسد بن إدريس بن شيبان، المروزي ثم البغدادي. وُلِد عام 164 هـ = 780 م وتُوفِّي 241 هـ = 855 م، ويلتقي ابن حنبل في نسبه مع النبي ﷺ في نزار بن معد بن عدنان.
وقد اشتهرت نسبة ابن حنبل إلى جده (حنبل)، والسبب في ذلك أن جده أشهر من أبيه؛ لأنه كان واليًا للأمويين على (سرخس) من أعمال خراسان.
وُلِدَ ونشأ: الإمام أحمد بن حنبل في بغداد يتيمًا؛ حيث مات والده وهو طفل صغير، فقامت أمه على رعايته وتربيته.
عاش الإمام أحمد عيشة بسيطة فقيرة؛ إذ لم يترك له والده سوى منزل صغير يسكنه؛ ولذلك مرّت عليه فترات قاسية في حياته كانت تضطره إلى الحرفة والعمل، فكان إذا ضاق به الأمر «أجّر نفسه من الحاكة»، وأحيانًا يلتقط بقايا الزروع من الحقول عقب مواسم الحصاد بعد استئذان أهلها، وفي بعض الأحيان كان يكتب بالأجرة، أو ينسج الثياب ويبيعها، واضطر في بعض الأحيان إلى أن يؤجر نفسه للحمل في الطريق، ولقد كان مع كل هذا حريصًا على الحلال لا يقبل مالًا فيه شبهة، ولا يقبل الهدايا أو العطايا.
حَفِظَ الإمام القرآن الكريم وهو صغير، ودرس علوم اللغة، وتَعلَّم الكتابة والتحرير في الديوان وهو ابن أربع عشرة سنة، ونشأ مُحبًّا لطلب العلم، شغوفًا به؛ حتى كانت أمه تشفق عليه من تعبه الموصول في طلبه للعلم، ولقد حدَّث عن نفسه بأنه كان أحيانًا يريد الخروج للعلم قبل انبلاج الفجر، فتأخذ أمه بثيابه وتستمهله حتى يُصبح الناس!
رحلاته
«بدأ الإمام رحلته الواسعة في طلب العلم وهو ابن ست عشرة سنة؛ حيث خرج للكوفة سنة ثلاث وثمانين ومائة، وهو أول سفر له، وخرج إلى البصرة سنة ست وثمانين، ورحل إلى سفيان بن عُيينة في مكة سنة سبع وثمانين، وهي أول سنة حج فيها الإمام، وارتحل إلى الفقيه المحدِّث عبد الرزاق بصنعاء اليمن سنة سبع وتسعين، ورافق يحيى بن معين في رحلته إليه».
لقد واجه الإمام أحمد بن حنبل في رحلته إلى اليمن التعب والنصب والمشقات؛ حتى اضطر إلى أن يحمل مع بعض الحمَّالين بالأجرة؛ حتى يستطيع النفقة على نفسه، وظلَّ على هذه الحالة حتى بلغ «صنعاء»، ورفض أن يأخذ معونة من أحد.
يقول الإمام أحمد بن حنبل: «رحلتُ في طلب العلم والسُّنة إلى الثغور، والشامات، والسواحل، والمغرب، والجزائر، ومكة، والمدينة، والحجاز، واليمن، والعراقين جميعاً، وفارس، وخراسان، والجبال، والأطراف، ثم عدت إلى بغداد».
وخرجت إلى الكوفة فكنتُ في بيت تحت رأسي لبنةٌ، وسادة، فَحُمِمْتُ، فرجعتُ إلى أمي، رحمها الله، ولم أكن استأذنتها. ولو كان عندي تسعون درهماً كنت رحلت إلى جرير بن عبد الحميد بالرَّي، فخرج بعض أصحابنا ولم يمكنني الخروج لأنه لم يكن عندي شيء».
قال ابن الجوزي: «طاف الإمام أحمد بن حنبل الدنيا مرتين حتى جمع المُسنَد».
ومن الرقائق والعجائب التي تُذكر في رحلته لطلب الحديث، والعهدة على الراوي، أنه سار مرة من بغداد إلى الشام ليسمع من محدِّث مشهور هناك، فلما بلغه وجده يُطعم كلبًا، فجلس ابن حنبل منتظره، واستمرَّ المحدِّث في إطعامه للكلب زمنًا أغضب ابن حنبل، فلما انتهى المحدِّث من إطعامه الكلب التفت إلى ابن حنبل وقال له: لعلك وجدت عليَّ في نفسك؟ فأجابه: نعم، فقال المحدِّث:
إنه ليس بأرضنا كلاب، وقد قصدني هذا الكلب، ورجاني أن أطعمه وأسقيه، فعلمت أنه جائع وظمآن فأطعمته وسقيته وأجبتُ رجاءه؛ لأني سمعت من أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة رضي الله عنه: أن رسول الله ﷺ قال: «من قطع رجاء من ارتجاه قطع الله رجاءه يوم القيامة فلم يلج الجنة». فابتسم ابن حنبل وقال: «يكفيني هذا الحديث، وعاد إلى بغداد!».
لقد دأب ابن حنبل على طلب العلم، والرحلة من أجله طيلة حياته، وداوم على طلب الحديث بعد أن صار فيه إمامًا، ولقد قال له بعض الناس مُعْتبًا من استمراره في طلب العلم على الرغم من إمامته فيه: إلى متى وقد بلغت هذا المبلغ، وصرت إمام المسلمين؟ فأجابه الإمام بقوله: «مع المحبرة إلى المقبرة!».
يا لها من كلمة! إنها كلمة تبهر الإنسان، وتهز الكيان، وفيها استمداد كريم من هَدْي الإسلام الذي علّمنا أن العلم يُطلب من المهد إلى اللحد، وأن طالب العلم منهوم لا يشبع، فابن حنبل يحمل دواته وأقلامه وورقه طيلة حياته ورحلاته مواصلًا طلب العلم.
من ثمرات رحلاته
لقد تعب ابن حنبل كثيرًا في رحلاته في جمع الأحاديث عن الرُّواة والثِّقات، وأنفق في ذلك جُلَّ عُمره، وكان أعظم ثمرة من نتاج ذلك التعب كتابه العظيم «المُسند» الذي جمع فيه أحاديث النبي ﷺ والتي بلغت أربعين ألف حديث، أخرجها ابن حنبل من سبعمائة ألف حديث، وقيل: من سبعمائة ألف وخمسين ألف حديث كان يحفظها!
وله أيضًا من المؤلَّفات: «الزهد»، «الصلاة»، «المناسك الكبير»، «المناسك الصغير»، «التاريخ»، «الناسخ والمنسوخ»، «المقدم والمؤخر في كتاب الله تعالى»، «فضائل الصحابة»، وغيرها.
شهادات السلف له
تكاثرت شهادات الفقهاء والعلماء السابقين لابن حنبل، فلنقتطف منها بعضها:
- يقول إبراهيم الحربي: أحمد بن حنبل كأن الله عز وجل جمع له علم الأوَّلين من كل صنف.
- ويقول أبو مسهر: ما أعلم أحدًا يحفظ على هذه الأمة أمر دينها إلَّا شابًّا بالمشرق، يقصد الإمام أحمد.
- ويقول أبو عبيد: انتهى العلم إلى أربعة: أحمد بن حنبل وهو أفقههم فيه، وعلى بن المديني وهو أعلمهم به، ويحيى بن معين وهو أكتبهم له، وأبي بكر بن أبي شيبة وهو أحفظهم له.
- ويقول أبي داوود السجستاني: لقيتُ مائتين من مشايخ العلم، فما رأيت مثل أحمد بن حنبل، ولم يكن يخوض في شيء مما يخوض فيه الناس من أمر الدنيا، فإذا ذُكر العلم تكلم.
- ويقول النووي: هو الإمام البارع المُجمع على جلالته وإمامته وورعه وزهادته، وحفظه ووفور علمه وسيادته.