رحلة الإمام الأعظم أبي حنيفة النعمان: حجّ ٥٥ مرة ليلتقي بالعلماء من أقطار الدنيا
هو النعمان بن ثابت بن كاوس بن هرمز. ينتسب إلى تيم بالولاء. الفقيه المجتهد المحقق الإمام، أحد أئمة المذاهب الأربعة، قيل: أصله من أبناء فارس، ولد ونشأ بالكوفة كان يبيع الخز ويطلب العلم، ثم انقطع للدرس والإفتاء.
قال فيه الإمام مالك: «رأيت رجلًا لو كلّمته في هذه السارية أن يجعلها ذهبًا لقام بحجته».
وعن الإمام الشافعي أنه قال: «الناس في الفقه عيال على أبي حنيفة».
حياته العلمية
طلب أبو حنيفة العلم صغيرًا، ولازم دروس العلم منذ نعومة أظافره، حتى لقّبوه بأبي حنيفة لملازمته للدواة المسماة: حنيفة بلغة العراق، وقد لزم حلقة حماد بن أبي سليمان ثماني عشرة سنة، وكان أخص تلاميذه وأقربهم إلى قلبه، وقد آلى أبو حنيفة على نفسه ألا يفارق حمادًا حتى يموت بعد أن رأى في سَعة علمه وفقهه ما أخذ بمجامع فؤاده، ولكنه في نفس الوقت جلس لغيره من علماء الوقت مثل عطاء بن أبي رباح عالم مكة وفقيهها، وعامر الشعبيّ عالم العراق، وعبد الرحمن بن هرمز عالم المدينة، ونافع مولى ابن عمر، وعلقمة، والزهريُّ محدِّث الزمان، ومحمد بن المنكدر، وهشام بن عروة، ولم يكن يأنف أن يرويَ أو يطلب العلم من أحد حتى ولو كان أصغر منه، فلقد روى عن شيبان النحوي وهو أصغر منه، وعن مالك بن أنس وهو كذلك أصغر منه، وهكذا شأن كل من طلب المعالي وسلك سبيل الربانيين.
ولما مات حماد بن أبي سليمان سنة 120هـ جلس أبو حنيفة مكانه في حلقة الدرس بجامع الكوفة، وكان وقتها في الأربعين من عمره، وقد بلغ حدَّ الكمال العلمي والذهنيّ، فتصدر وهو كهل، وكان تاجرًا يعمل في بيع الخزِّ، فإذا قضى حاجته من التجارة جلس للعلم والتدريس والإفتاء، حتى فاق أهل زمانه جميعًا، وصار علمًا مقدمًا في الفقه، وقد أرسى دعائم مدرسة الرأي في الفقه، وصار أستاذ القياس الأول بلا منازع.
رحلاته
كان الإمام أبو حنيفة يكثر من أداء فريضة الحج حتى قيل إنه حج 55 مرة، وقد مكنته هذه الرحلات المتصلة إلى بيت الله الحرام أن يلتقي بكبار الفقهاء والحفّاظ، يدارسهم ويروي عنهم، وممن التقى بهم من كبار التابعين، وأخذ عنهم: عامر الشعبي المتوفى سنة (103 هـ = 721م)، وعكرمة مولى ابن عباس المتوفى سنة (105 هـ = 723م)، ونافع مولى ابن عمر المتوفى (117هـ = 735م)، وزيد بن علي زين العابدين المتوفى سنة (122هـ = 740م).
ويصل بعض المؤرِّخين بشيوخ أبي حنيفة إلى 4 آلاف شيخ، وتذكر بعض الروايات أنه التقى ببعض الصحابة الذين عاشوا إلى نهاية المائة عام الأولى، وروى عنهم بعض الأحاديث النبوية وهو بذلك ترتفع درجته إلى رتبة التابعين، على أن الراجح أنه وإن صح أنه التقى بعض الصحابة الذين امتدت بهم الحياة حتى عصره فإنه لم يكن في سن من يتلقّى العلم، ولا سيما أنه بدأ العلم في سن متأخرة وأنه انصرف في بداية حياته إلى العمل بالتجارة.
من ثمرات رحلاته
له من المؤلَّفات: «مسند» في الحديث، و«المخارج» في الفقه، وتنسب إليه رسالة «الفقه الأكبر» في الاعتقاد، ورسالة «العالم والمتعلم».