أبرز
الموضوعات
  1. الرئيسية
  2. المقالات
  3. ﴿وجعلنا الليل لباسًا﴾: النوم والسكينة ال
دراسة٣ دقائق للقراءة

﴿وجعلنا الليل لباسًا﴾: النوم والسكينة النفسية

بقلم: الشيخ الدكتور عبد الباسط محمد

﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا﴾ [النبإ: 10]

أولًا: أقوال المفسّرين

قال الطبري: جعل الله الليل لباسًا؛ لأنه يلبس الأشياء بظلامه فيغشاها ويسترها، كما يستر اللباسُ بدنَ الإنسان، وفي ذلك تهيئة للخلق للسكون والراحة.

وأوضح القرطبي أن المراد باللباس هنا الساتر، أي جعل الله الليل ساترًا للأشخاص والأشياء بظلمته، كما يستر اللباس الجسد، وهو من نعم الله على عباده.

وذكر ابن كثير أن الليل يغشى الناس بظلامه ويسترهم، ولذلك شبهه الله باللباس، وفي ذلك إشارة إلى ما يحصل فيه من السكون والهدوء والراحة.

وبيّن الرازي أن تشبيه الليل باللباس من أبلغ التشبيهات؛ لأن كليهما يحقق الستر والحماية، فالليل يستر الخلق عن أعين بعضهم ويهيئهم للراحة.

وأشار البغوي إلى أن الليل لباس؛ لأنه يغطي الأرض ومن عليها بظلامه كما يغطي اللباس البدن.

وقال الزمخشري: سُمّي الليل لباسًا لاشتماله على الخلق وإحاطته بهم، فكأنه ثوب يكسوهم ويسترهم.

وأكد الألوسي أن في هذا التعبير تصويرًا بديعًا لوظيفة الليل في الستر والسكينة، وهو من مظاهر الرحمة الإلهية بالعباد.

وذكر الشوكاني أن الليل لباس؛ لأنه يستر الناس بظلمته ويغشاهم كما يغشى اللباس لابسه.

وقال ابن عاشور: شبه الليل باللباس لما فيه من معنى الإحاطة والستر والحماية، ولأنه يهيئ الإنسان للراحة والانقطاع المؤقت عن مشاغل النهار.

ثانيًا: الشرح الموضوعي

تواصل السورة تعداد النعم الإلهية التي تدل على قدرة الله وحكمته، فتذكر نعمة الليل الذي جعله الله لباسًا للخلق. والمقصود أنه يحيط بهم بظلامه ويسترهم، كما يستر اللباس الجسد. وهذا الستر ليس مجرد ظاهرة كونية، بل هو جزء من نظام الحياة الذي يحقق للإنسان الراحة والسكون بعد عناء النهار. فالليل في التصور القرآني نعمة ورحمة، وليس مجرد تعاقب زمني بين فترتين من اليوم.

ثالثًا: التحليل النفسي والسلوكي

تكشف الآية عن حاجة الإنسان النفسية إلى فترات من الانسحاب المؤقت من ضغوط الحياة اليومية. فالليل بما يحمله من هدوء وسكون يوفر بيئة مناسبة للراحة النفسية والتأمل واستعادة التوازن الانفعالي.

كما تشير الآية إلى أهمية الشعور بالأمان والخصوصية في الصحة النفسية؛ فالستر من الحاجات النفسية العميقة لدى الإنسان، والليل يحقق نوعًا من هذا الستر الطبيعي الذي يساعد على الاسترخاء والهدوء. ولذلك ترتبط أوقات السكون غالبًا بانخفاض التوتر وتحسن الاستقرار النفسي.

رابعًا: النظريات النفسية

• نظرية الاستشفاء النفسي (Psychological Recovery Theory): تؤكد أن فترات الهدوء والانفصال المؤقت عن الضغوط اليومية ضرورية لاستعادة التوازن النفسي.

• نظرية التنظيم البيئي للسلوك (Environmental Psychology): تشير إلى أن خصائص البيئة المحيطة، مثل الهدوء وانخفاض المثيرات، تؤثر إيجابيًا في الحالة النفسية.

• نظرية الحاجة إلى الخصوصية (Privacy Regulation Theory): تبيّن أن الإنسان يحتاج إلى مساحات من العزلة والستر للحفاظ على راحته النفسية وتنظيم تفاعلاته الاجتماعية.

خامسًا: السبق القرآني

تصف الآية الليل بأنه "لباس"، وهو وصف يجمع بين الستر والحماية والتهيئة للراحة. وقد أثبتت الدراسات الحديثة في علم الأحياء وعلم النوم أن الظلام يؤدي دورًا أساسيًا في تنظيم الساعة البيولوجية للإنسان، وفي إفراز هرمون الميلاتونين المسؤول عن تهيئة الجسم للنوم والراحة. ويكشف هذا عن دقة التعبير القرآني في ربط الليل بوظائفه الحيوية والنفسية قبل أن تعرفها العلوم الحديثة بقرون طويلة.

سادسًا: الخلاصة

تؤكد الآية أن الله جعل الليل لباسًا يحيط بالإنسان ويستره ويهيئ له السكون والراحة. وهي تذكير بنعمة يومية عظيمة تدل على رحمة الله وحكمته في تنظيم حياة البشر، كما تكشف عن أهمية الهدوء والستر والراحة في تحقيق التوازن النفسي والجسدي، ضمن النظام الدقيق الذي أودعه الله في الكون والحياة.

الموسوعة القرآنية في علم النفس البشرية٣١ مجلداً — للطلب والاستفسار تواصلوا مع الشيخ عبر واتساب.
اقرأ أيضًا

مقالات ذات صلة

كل المقالات ←
دراسة٤ دقائق للقراءة

﴿ولا يجرمنّكم شنآن قوم على ألا تعدلوا﴾: العدل في لحظة الغضب

الآية الثامنة من سورة المائدة ليست فقط خطابًا للعدل، بل علاجًا نفسيًا للعقل البشري الذي يعاني من التحيّزات والانفعالات. إنها ترسي توازنًا نفسيًا متينًا: بين العدل والانفعال، بين الحق والغضب، بين واجبك كإنسان وميولك ككائن عاطفي.

من: «الموسوعة القرآنية في علم النفس البشرية» — الجزء السادس، تفسير الآية 8 من سورة المائدة
اقرأ المزيد ←
دراسة٥ دقائق للقراءة

﴿وتعاونوا على البر والتقوى﴾: التعاون والانتماء الإيجابي

تجمع هذه الآية بين احترام المقدسات، وضبط النفس، والعدالة، والبناء الاجتماعي، والتقوى. وهي واحدة من أعظم الآيات في بناء النفس المؤمنة، لأنها تخاطب الإنسان في لحظة ضغط انفعالي شديد، وتقدّم له طريقًا للخروج من دائرة الغضب إلى دائرة البر.

من: «الموسوعة القرآنية في علم النفس البشرية» — الجزء السادس، تفسير الآية 2 من سورة المائدة
اقرأ المزيد ←
دراسةدقيقتان للقراءة

﴿وربك الغفور ذو الرحمة﴾: سعة الرحمة والأمان النفسي

الآية تبرز صفة الغفور الرحيم لله، وتوضح أن تأخير العقاب رحمة للعباد وفرصة للتوبة، مع التأكيد أن يوم الجزاء آتٍ لا مهرب منه، مما يغرس الثقة بالله والعدل في نفوس المؤمنين.

من: «الموسوعة القرآنية في علم النفس البشرية» — الجزء الخامس عشر، تفسير الآية 58 من سورة الكهف
اقرأ المزيد ←