أبرز
الموضوعات
  1. الرئيسية
  2. المقالات
  3. ﴿وتعاونوا على البر والتقوى﴾: التعاون وال
دراسة٥ دقائق للقراءة

﴿وتعاونوا على البر والتقوى﴾: التعاون والانتماء الإيجابي

بقلم: الشيخ الدكتور عبد الباسط محمد

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّن رَّبِّهِمْ وَرِضْوَانًا وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَن صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَن تَعْتَدُوا وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [المائدة: 2]

أولًا: أقوال المفسرين

الطبري فسر "لا تحلوا شعائر الله" بأنها المواضع والشعائر المرتبطة بالحج، وكل ما عظّمه الله في مناسك العبادة، ونهى عن التهاون بها. وأما "الهدي" فهي الذبائح المهداة إلى الحرم، و"القَلائد" هي العلامات التي توضع عليها. ويرى أن هذه الآية نزلت تأديبًا للمؤمنين، وتنظيمًا للعلاقة بين العبادة والتعامل مع الخصوم.

الرازي ركّز على أن الآية ترسي مبادئ أخلاقية عالية في لحظة حرجة سياسيًا ودينيًا، فهي تطلب من المسلمين أن يتحكموا في مشاعرهم رغم الاستفزاز، وألا يعتدوا بسبب عداء سابق. وبيّن أن الآية تدعو للعدالة المطلقة، لا للانتصار للذات.

القرطبي شرح "شنآن قوم" بأنها البغضاء الشديدة، وأكد أن العدالة لا يجب أن تتأثر بالأحقاد، والآية في مجملها تدعو إلى السلم والبر والتقوى، وتحذر من الغضب والانفعال، لأنها تؤدي إلى الظلم.

ابن كثير أشار إلى أن الآية نزلت بعد صلح الحديبية، فكانت دعوة لكفّ الغضب والانضباط، وتحريم الصيد في الإحرام، والتحذير من الظلم باسم الدين.

ابن عاشور رأى في الآية تربية جماعية عظيمة، تحافظ على قدسية المناسك، وفي الوقت نفسه تحفظ النفس من العنف. وقال إن قوله: "ولا يجرمنكم شنآن قوم" قمة في التربية الأخلاقية.

ثانيًا: الشرح الموضوعي

الآية خطاب إيماني تربوي متعدد الطبقات. تبدأ بالنهي عن التهاون بشعائر الله، التي تشمل جميع مظاهر العبادات المتعلقة بالحج، كالشهر الحرام، والهدي، والقلائد، والطريق إلى البيت الحرام. فالمؤمن مطالب بتقديس هذه الشعائر، وعدم انتهاكها، حتى لو كان في حالة عداء أو توتر مع خصوم.

ثم تنتقل إلى السماح بالصيد بعد الخروج من الإحرام، في "وإذا حللتم فاصطادوا"، مما يشير إلى نظام دقيق للضبط الديني.

بعدها تأتي الجملة المفصلية في بناء النفس الإيمانية السليمة: "ولا يجرمنكم شنآن قوم أن صدوكم عن المسجد الحرام أن تعتدوا"، أي لا تدفعكم الكراهية لارتكاب ظلم أو انتقام. فالنهي عن الاعتداء جاء في لحظة ألم وغضب، وهو ما يبين سمو التربية القرآنية.

وتختم الآية بالدعوة للتعاون على البر والتقوى، والنهي عن التعاون على الإثم والعدوان، ثم أمر بالتقوى، وتحذير من العقاب الإلهي، مما يزرع في النفس ميزانًا دقيقًا بين الحزم والرحمة، بين العبادة والسلوك، بين الخصومة والعدالة.

ثالثًا: التحليل النفسي

الآية تستهدف بالدرجة الأولى النفس البشرية في لحظة الامتحان. حين تكون النفس تحت ضغط الغضب أو الكراهية، تكون مهيّأة للانفلات والانفعال. لذلك يبدأ الله بالتحذير من تحقير المقدسات أو استغلالها للانتقام.

الخطاب هنا يحاصر دوافع الانتقام التي تنشأ حين يتعرض الإنسان للإهانة أو المنع من حق مقدس، كمنع النبي ﷺ وأصحابه من دخول المسجد الحرام. هذه المشاعر قد تتحول بسهولة إلى عنف وردود أفعال غير محسوبة، والآية تتدخل هنا لتقول: لا.

كذلك، حين يُخيَّر الإنسان بين التعاون مع الغير على الخير أو على الشر، قد تسيطر عليه الانفعالات والعلاقات، فيتعاون مع أصدقائه على العدوان دون تفكير. والآية تصحّح هذا الميل النفسي، وتفصل بين الموقف الأخلاقي والمشاعر الشخصية.

أيضًا، ختم الآية بالتذكير بعقاب الله يضع النفس في حالة انضباط ذاتي مستمر، قائم على استحضار المساءلة، لا فقط على الرقابة الخارجية.

رابعًا: الأبعاد النفسية والسلوكية

النهي عن انتهاك شعائر الله يعلّم النفس احترام المقدسات والرموز، ما يغرس في القلب شعورًا بالعظمة والخشوع. أما النهي عن العدوان بسبب الكراهية، فيربّي النفس على العدالة المجردة، والقدرة على كبح الغضب، وهو من أعلى درجات النضج النفسي.

الأمر بالتعاون على البر والتقوى يوجّه النفس نحو بناء علاقات صحية قائمة على الخير، بينما النهي عن التعاون على الإثم يعزز الضمير الأخلاقي، ويدفع الإنسان للتفكير في نتائج سلوكه وتأثيره على الآخرين.

التحذير من الله، بأنه "شديد العقاب"، لا يخلق فقط رهبة، بل يُنتج في داخل النفس وازعًا قويًا للمحاسبة الذاتية والحد من التهور السلوكي.

خامسًا: الربط بالنظريات النفسية الحديثة

نظرية التحكم الذاتي (Self-Regulation Theory) ترى أن الإنسان السوي هو من يستطيع التحكم في انفعالاته حتى في لحظة الضغط. والآية تمثل تطبيقًا عمليًا لهذه النظرية، حين تطلب من الإنسان ألا يعتدي رغم الغضب.

في نظرية الإدراك الأخلاقي لـ "لورنس كولبرج"، نجد أن أعلى مراحل النمو الأخلاقي هي حين يلتزم الإنسان بالعدل ولو ضد نفسه أو أقاربه، وهو ما تجسده الآية تمامًا.

أما التحليل النفسي عند فرويد، فيرى أن العدوان ينشأ من مشاعر مكبوتة، والآية تمنع هذه المشاعر من التحول إلى فعل سلبي، بتفريغها في قنوات البر والتقوى.

نظرية العلاج السلوكي المعرفي ترى أن السلوك ينبع من أفكار داخلية، والآية تعيد برمجة هذه الأفكار، من خلال أوامر ونواهٍ واضحة، تقود إلى سلوك سليم حتى في حالات الاستفزاز.

سادسًا: الخلاصة التحليلية

تجمع هذه الآية بين احترام المقدسات، وضبط النفس، والعدالة، والبناء الاجتماعي، والتقوى. وهي واحدة من أعظم الآيات في بناء النفس المؤمنة، لأنها تخاطب الإنسان في لحظة ضغط انفعالي شديد، وتقدّم له طريقًا للخروج من دائرة الغضب إلى دائرة البر.

الآية لا تقدم فقط أحكامًا، بل تربية نفسية راقية، تصلح للفرد والمجتمع، وتضمن أن تبقى العلاقة مع الله ومع الناس قائمة على العدل والخير والهدوء.

هذه التربية الربانية تنشئ شخصية لا تتهور، ولا تنتقم، ولا تتنازل عن قيمها، حتى في أقسى لحظات الصراع. إنها تربية تصنع السلام الداخلي والسلام الاجتماعي معًا.

الموسوعة القرآنية في علم النفس البشرية٣١ مجلداً — للطلب والاستفسار تواصلوا مع الشيخ عبر واتساب.
اقرأ أيضًا

مقالات ذات صلة

كل المقالات ←
دراسة٤ دقائق للقراءة

﴿ولا يجرمنّكم شنآن قوم على ألا تعدلوا﴾: العدل في لحظة الغضب

الآية الثامنة من سورة المائدة ليست فقط خطابًا للعدل، بل علاجًا نفسيًا للعقل البشري الذي يعاني من التحيّزات والانفعالات. إنها ترسي توازنًا نفسيًا متينًا: بين العدل والانفعال، بين الحق والغضب، بين واجبك كإنسان وميولك ككائن عاطفي.

من: «الموسوعة القرآنية في علم النفس البشرية» — الجزء السادس، تفسير الآية 8 من سورة المائدة
اقرأ المزيد ←
دراسةدقيقتان للقراءة

﴿وربك الغفور ذو الرحمة﴾: سعة الرحمة والأمان النفسي

الآية تبرز صفة الغفور الرحيم لله، وتوضح أن تأخير العقاب رحمة للعباد وفرصة للتوبة، مع التأكيد أن يوم الجزاء آتٍ لا مهرب منه، مما يغرس الثقة بالله والعدل في نفوس المؤمنين.

من: «الموسوعة القرآنية في علم النفس البشرية» — الجزء الخامس عشر، تفسير الآية 58 من سورة الكهف
اقرأ المزيد ←
دراسةدقيقتان للقراءة

﴿ويرجون رحمته ويخافون عذابه﴾: التوازن بين الخوف والرجاء

الآية تعلم أن الوصول إلى الله يكون عبر الوسائل المشروعة، وأن التوازن بين الرجاء والخوف يحفظ المؤمن ويقوده للطاعة الصحيحة، ويؤكد أن عذاب الله جدّي لمن يخالف الطريق المستقيم.

من: «الموسوعة القرآنية في علم النفس البشرية» — الجزء الخامس عشر، تفسير الآية 57 من سورة الإسراء
اقرأ المزيد ←