أبرز
الموضوعات
  1. الرئيسية
  2. المقالات
  3. ﴿لا يسأم الإنسان من دعاء الخير وإن مسّه
دراسة٣ دقائق للقراءة

﴿لا يسأم الإنسان من دعاء الخير وإن مسّه الشر فيئوس قنوط﴾: تقلب النفس بين الرغبة واليأس

بقلم: الشيخ الدكتور عبد الباسط محمد

﴿لَّا يَسْأَمُ الْإِنسَانُ مِن دُعَاءِ الْخَيْرِ وَإِن مَّسَّهُ الشَّرُّ فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ﴾ [فصلت: 49]

أولًا: أقوال المفسّرين

بيّن الطبري أن معنى الآية أن الإنسان لا يملّ من طلب الخير من الله، كالغنى والصحة والعافية، لكنه إذا أصابه الضر أو الفقر أو المرض صار يائسًا من رحمة الله، قانطًا من الفرج.

أوضح الماتريدي أن الآية تصف ضعف الإنسان وتقلب حاله؛ فهو يكثر الدعاء عند طلب النعم، لكنه عند البلاء يضعف يقينه فيقع في اليأس والقنوط، إلا من ثبّته الله بالإيمان.

ذكر البغوي أن {دُعَآءِ ٱلۡخَيۡرِ} أي طلب النعمة والمال والصحة، ومعنى {فَيَـُٔوسٞ قَنُوطٞ} أي شديد اليأس من رحمة الله عند نزول البلاء.

قال القرطبي إن الآية تصف طبيعة الإنسان إذا خلا من الهداية؛ فهو حريص على النعم، فإذا أصابه البلاء ضعف صبره وقنط من رحمة الله، مع أن المؤمن الحق لا ييأس من الفرج.

أشار ابن كثير إلى أن الإنسان في طبعه حب الخير والحرص عليه، لكنه إذا مسّه الشر أصابه اليأس والقنوط، إلا من هداه الله فصبر واحتسب.

ذكر الزمخشري أن الآية تصور حال الإنسان في شدة تعلقه بالخير وطول طلبه له، ثم تقابل ذلك بسرعة يأسه إذا نزل به الضر، في دلالة على ضعف النفس البشرية.

فصّل الرازي أن الجمع بين {يَـُٔوسٞ قَنُوطٞ} للمبالغة في وصف اليأس، لأن اليأس انقطاع الرجاء، والقنوط أشدّ منه إذ يتضمن استبعاد الرحمة تمامًا.

بيّن الألوسي أن الآية تشير إلى طبيعة الإنسان غير المهذّبة بالإيمان، إذ يجمع بين شدة الطمع في الخير وشدة اليأس عند البلاء.

قال الشوكاني إن معنى الآية أن الإنسان لا يملّ من سؤال النعم، لكن إذا أصابه ضر صار يائسًا قانطًا من رحمة الله، وهو وصف لطبيعة البشر إلا من عصمه الله.

أوضح ابن عاشور أن الآية تحليل دقيق لنفسية الإنسان؛ إذ يطول رجاؤه في الخير، لكن صبره عند الشدة ضعيف، فجاء التعبير باليأس والقنوط لبيان هذا الاضطراب النفسي.

ثانيًا: الشرح الموضوعي للآية

تكشف الآية جانبًا من طبيعة النفس البشرية؛ فهي لا تملّ من طلب الخير والنعم، وتظل تسعى إليها باستمرار، لكن عندما تصيبها الشدائد قد تسقط في اليأس والقنوط. ويبين القرآن بهذا التصوير أن الإنسان إذا لم يربّه الإيمان قد يقع في طرفين متناقضين: الطمع المفرط عند النعمة، واليأس الشديد عند البلاء. أما الإيمان فيوازن النفس بين الرجاء والصبر.

ثالثًا: التحليل النفسي والسلوكي

تصف الآية ميل الإنسان إلى التعلق المستمر بالمكاسب والمنافع، وهو ما يدفعه إلى طلب الخير بلا انقطاع. لكن عند وقوع الأزمات قد يعجز عن التكيف النفسي معها، فيسقط في الإحباط واليأس. وهنا يظهر دور الإيمان في بناء التوازن النفسي؛ إذ يمنح الإنسان قدرة على الاستمرار في الأمل حتى في أوقات الشدة.

رابعًا: النظريات النفسية

  • نظرية التحيز الإيجابي للمكاسب (Gain Bias Theory): يميل الإنسان إلى التركيز المستمر على تحقيق المكاسب.
  • نظرية الإحباط واليأس (Frustration
  • Despair Theory): الصدمات أو الفشل قد تقود إلى حالة نفسية من اليأس إذا غاب الأمل.
  • نظرية التوازن الانفعالي (Emotional Regulation Theory): القدرة على ضبط المشاعر تساعد الإنسان على تجنب التطرف بين الطمع واليأس.

خامسًا: السبق القرآني

تقدم الآية تحليلًا مبكرًا لطبيعة الاستجابة النفسية للإنسان بين الطمع واليأس، وهو ما تؤكده الدراسات النفسية الحديثة التي تشير إلى أن الإنسان قد يتأرجح بين التفاؤل المفرط والإحباط الشديد تبعًا للظروف. وقد سبق القرآن إلى كشف هذه الطبيعة البشرية ووضع الإيمان كآلية لتحقيق التوازن النفسي.

سادسًا: الخلاصة

تبيّن الآية أن الإنسان بطبعه لا يملّ من طلب الخير، لكنه إذا أصابه الضر قد يسقط في اليأس والقنوط. ويكشف هذا عن ضعف النفس البشرية إذا لم يهذبها الإيمان، بينما يعلّم القرآن الإنسان التوازن بين الرجاء في النعمة والصبر عند البلاء.

الموسوعة القرآنية في علم النفس البشرية٣١ مجلداً — للطلب والاستفسار تواصلوا مع الشيخ عبر واتساب.
اقرأ أيضًا

مقالات ذات صلة

كل المقالات ←
دراسة٤ دقائق للقراءة

﴿ولا يجرمنّكم شنآن قوم على ألا تعدلوا﴾: العدل في لحظة الغضب

الآية الثامنة من سورة المائدة ليست فقط خطابًا للعدل، بل علاجًا نفسيًا للعقل البشري الذي يعاني من التحيّزات والانفعالات. إنها ترسي توازنًا نفسيًا متينًا: بين العدل والانفعال، بين الحق والغضب، بين واجبك كإنسان وميولك ككائن عاطفي.

من: «الموسوعة القرآنية في علم النفس البشرية» — الجزء السادس، تفسير الآية 8 من سورة المائدة
اقرأ المزيد ←
دراسة٥ دقائق للقراءة

﴿وتعاونوا على البر والتقوى﴾: التعاون والانتماء الإيجابي

تجمع هذه الآية بين احترام المقدسات، وضبط النفس، والعدالة، والبناء الاجتماعي، والتقوى. وهي واحدة من أعظم الآيات في بناء النفس المؤمنة، لأنها تخاطب الإنسان في لحظة ضغط انفعالي شديد، وتقدّم له طريقًا للخروج من دائرة الغضب إلى دائرة البر.

من: «الموسوعة القرآنية في علم النفس البشرية» — الجزء السادس، تفسير الآية 2 من سورة المائدة
اقرأ المزيد ←
دراسةدقيقتان للقراءة

﴿وربك الغفور ذو الرحمة﴾: سعة الرحمة والأمان النفسي

الآية تبرز صفة الغفور الرحيم لله، وتوضح أن تأخير العقاب رحمة للعباد وفرصة للتوبة، مع التأكيد أن يوم الجزاء آتٍ لا مهرب منه، مما يغرس الثقة بالله والعدل في نفوس المؤمنين.

من: «الموسوعة القرآنية في علم النفس البشرية» — الجزء الخامس عشر، تفسير الآية 58 من سورة الكهف
اقرأ المزيد ←