أبرز
الموضوعات
  1. الرئيسية
  2. المقالات
  3. ﴿ثم نزعناها منه إنه ليئوس كفور﴾: اليأس ع
دراسة٣ دقائق للقراءة

﴿ثم نزعناها منه إنه ليئوس كفور﴾: اليأس عند فقد النعمة

بقلم: الشيخ الدكتور عبد الباسط محمد

﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ﴾ [هود: 9]

أولًا: أقوال المفسّرين

بيَّن الطبري أن المقصود بالرحمة في الآية: النعمة والرخاء والصحة، فإذا سُلبت من الإنسان قنط ويئس، وكفر النعمة السابقة، وأن طبيعة الإنسان إذا لم يُهذَّب بالإيمان تميل إلى نسيان المنعم عند الشدة.

أوضح الماتريدي أن اليأس والكفر هنا وصفان لأغلب الناس لا للمؤمنين، وأن الإنسان يقصر نظره على اللحظة الحالية، فإذا زالت النعمة ظنّ أنها لن تعود، وذلك نقص في العقل والإيمان.

ذكر البغوي أن «رحمة» تشمل المال والصحة والأمان، وأن نزْعها ابتلاء، وأن اليأس والكفر هما جحود وفوران نفس عند زوال النعمة مع عدم تذكر نعم الله السالفة.

أشار الزمخشري إلى أن التعبير بـ«أذقنا» يدل على لطافة النعمة، وبـ«نزعناها» يدل على شدة الفقد، مما يبرّر ظهور طباع الإنسان إن لم يكن مهذَّبًا بالإيمان، فييأس ويكفر.

تناول الرازي أن الآية توبّخ الإنسان على قِصر نظره، وأنه لا يرى الحكمة في الابتلاء، وأن اليأس ناتج عن غلبة الجانب الغريزي في النفس، وأن الكفر هنا هو كفر النعمة لا كفر العقيدة.

أكد القرطبي أن «اليَؤوس» هو المبالغ في اليأس، و«الكَفور» هو المبالغ في جحود النعم، وأن الآية وصف لطبيعة الإنسان من غير هدى، أما مع الإيمان فيتحول هذا اليأس إلى صبر ورجاء.

ذكر ابن كثير أن الإنسان إذا نال نعمة فرح بها، وإذا نُزعت منه انقلب إلى القنوط والجحود، وأن هذا من طباع البشر إلا من عصمه الله بالإيمان واليقين.

فصَّل الألوسي بأن اليأس نتيجة ضعف الثقة بالله، وأن الكفران ميل نفسي إلى تضخيم المصيبة ونسيان الماضي، وأن الآية تربي الإنسان على الثبات والشكر لا على التقلب.

أوضح الشوكاني أن الآية تصف غلبة التأثر بالأحوال الخارجية على الإنسان، فإذا زالت النعمة كشف سلوكه الحقيقي، وأن الكفران هنا هو جحد النعمة لا جحد الربوبية.

اعتبر ابن عاشور أن الآية ترسم قانونًا نفسيًا عامًا: الإنسان ينسى ما مضى عليه من الخير عند أول مسٍّ للضر، ما لم يكن مؤمناً قوي النفس، وأن التعبير القرآني يجعل من الآية درسًا في الثبات والتوازن الوجداني.

ثانيًا: الشرح الموضوعي للآية

الآية تصف طبيعة الإنسان غير المربّى بالإيمان: يتقلّب بين النعمة والشدة.

الرحمة = كل خير مادي أو معنوي.

نزع النعمة = امتحان لصدق النفس وثباتها.

النتيجة عند أغلب الناس: يأس شديد + جحود للنعم السابقة.

ثالثًا: التحليل النفسي للآية

النزعة التفسيرية السلبية: الإنسان يميل لتفسير الابتلاء على أنه حرمان دائم.

تشويش الذاكرة العاطفية: عند المصيبة ينسى ما سبق من النعم، وهذا ثابت في علم النفس الحديث.

ضيق أفق التوقع: اليأس يحدث عند انخفاض القدرة على تصور مستقبل أفضل.

ردّ الفعل الانفعالي: يتحول اليأس إلى كفران لأن العاطفة تسبق التفكير.

رابعًا: النظريات النفسية الموافقة للآية

نظرية الانحياز السلبي (Negativity Bias): الدماغ يركز على المصيبة أكثر من النعمة.

نظرية فقدان السيطرة (Loss of Control Theory): نزْع النعمة يولّد شعورًا بالعجز، فيظهر اليأس.

نظرية الامتنان (Gratitude Theory): غياب الامتنان يؤدي حتمًا إلى الكفران عند أول ابتلاء.

نظرية التكيّف الرفاهي (Hedonic Adaptation): الإنسان يعتاد النعمة سريعًا وينساها عند زوالها.

خامسًا: السبق القرآني

تحليل دقيق لطبيعة النفس البشرية قبل ظهور علم النفس الحديث.

كشف العلاقة بين فقدان النعمة وظهور التقلب الوجداني.

إبراز دور الإيمان في حماية الإنسان من اليأس المرضي.

ربط أخلاقي بين الاستقرار النفسي والشكر.

سادسًا: الخلاصة

الآية تُظهر جانبًا عميقًا في النفس البشرية: الإنسان إذا لم يهذَّب بالإيمان يصبح أسيرًا للحالة الراهنة، فييأس عند الشدة ويجحد عند الفقد. أما المؤمن فله ميزان آخر: يرى النعمة فضلًا والابتلاء حكمة، فلا يغرق في اليأس ولا يتقلب مع الظروف.

الموسوعة القرآنية في علم النفس البشرية٣١ مجلداً — للطلب والاستفسار تواصلوا مع الشيخ عبر واتساب.
اقرأ أيضًا

مقالات ذات صلة

كل المقالات ←
دراسة٤ دقائق للقراءة

﴿ولا يجرمنّكم شنآن قوم على ألا تعدلوا﴾: العدل في لحظة الغضب

الآية الثامنة من سورة المائدة ليست فقط خطابًا للعدل، بل علاجًا نفسيًا للعقل البشري الذي يعاني من التحيّزات والانفعالات. إنها ترسي توازنًا نفسيًا متينًا: بين العدل والانفعال، بين الحق والغضب، بين واجبك كإنسان وميولك ككائن عاطفي.

من: «الموسوعة القرآنية في علم النفس البشرية» — الجزء السادس، تفسير الآية 8 من سورة المائدة
اقرأ المزيد ←
دراسة٥ دقائق للقراءة

﴿وتعاونوا على البر والتقوى﴾: التعاون والانتماء الإيجابي

تجمع هذه الآية بين احترام المقدسات، وضبط النفس، والعدالة، والبناء الاجتماعي، والتقوى. وهي واحدة من أعظم الآيات في بناء النفس المؤمنة، لأنها تخاطب الإنسان في لحظة ضغط انفعالي شديد، وتقدّم له طريقًا للخروج من دائرة الغضب إلى دائرة البر.

من: «الموسوعة القرآنية في علم النفس البشرية» — الجزء السادس، تفسير الآية 2 من سورة المائدة
اقرأ المزيد ←
دراسةدقيقتان للقراءة

﴿وربك الغفور ذو الرحمة﴾: سعة الرحمة والأمان النفسي

الآية تبرز صفة الغفور الرحيم لله، وتوضح أن تأخير العقاب رحمة للعباد وفرصة للتوبة، مع التأكيد أن يوم الجزاء آتٍ لا مهرب منه، مما يغرس الثقة بالله والعدل في نفوس المؤمنين.

من: «الموسوعة القرآنية في علم النفس البشرية» — الجزء الخامس عشر، تفسير الآية 58 من سورة الكهف
اقرأ المزيد ←