﴿لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها﴾: التكليف على قدر الطاقة والسلام النفسي
﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنتَ مَوْلَانَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: 286]
أولًا: أقوال المفسرين
قال الطبري: لا يحمّل الله العبد ما لا يقدر عليه، من التكاليف والمشاق. والآية تبين عدل الله في التشريع ورحمته، والدعاء في الآية ختام للسورة يلخص روح الشريعة في التخفيف والتيسير201.
وذهب الماتريدي في تأويلاته إلى أن هذه الآية أصل في تكليف النفس على قدْر الوسع العقلي والجسدي، وهي دعاء يُظهر الحاجة النفسية إلى العفو والرحمة والمغفرة، ويعكس تواضع النفس أمام الله202.
وأكد البغوي أن قوله "لها ما كسبت" أي من الطاعة، "وعليها ما اكتسبت" أي من الإثم، والفرق في التعبير يشير إلى أن الشر يُحتسَب على النفس أكثر من الخير، لأن النفس تميل إلى الشر203.
ولفت ابن الجوزي في زاد المسير إلى أن هذه الآية جامعة للعدل والرحمة، فيها تأكيد أن الله لا يعامل النفس بما فوق طاقتها، وفيها التماس للعذر، وهو مطلب نفسي إنساني عند الشعور بالتقصير204.
وقال القرطبي: الآية فيها أصول رفع الحرج والاعتراف بالخطأ والنسيان، وهي من أقوى الأدلة في أن الشريعة قائمة على اليسر لا العسر، وأن النفس محل ابتلاء لا قهر205.
وأضاف ابن كثير أن هذه الآية فيها تيسير عظيم، وإشارة إلى رحمة الله بعباده، وأن العفو والمغفرة منحة إلهية للنفس الضعيفة، والدعاء في نهايتها بمثابة استسلام كامل لله، وتفويض نفسي تام206.
فيما قال الآلوسي في "روح المعاني": الآية توصل النفس المؤمنة إلى التوازن بين المسؤولية والرجاء، وتغرس فيها التواضع والاعتماد على الله، مع نفي القسوة الإلهية، وهو بناء نفسي راقٍ207.
ثانيًا: الشرح الموضوعي للآية
الآية تحمل قواعد مركزية في التشريع الإلهي: عدم التكليف بما يفوق الطاقة، مبدأ الجزاء العادل، ومشروعية طلب العفو والمغفرة والرحمة. وتُختتم السورة بدعاء يعبر عن ضعف الإنسان وحاجته إلى الدعم الرباني، مما يعكس شمول الإسلام لجوانب النفس والعبادة والسلوك.
ثالثًا: التحليل النفسي للآية
الآية تمثل أساسًا نفسيًا متينًا في التعامل مع الذات:
مبدأ لا يُكلف الله نفسًا إلا وسعها يُشعر الإنسان بالأمان النفسي من القهر والإجبار.
النفس البشرية تحتاج إلى الشعور بالعدالة، وهو ما تعكسه عبارة "لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت".
الجانب الدعائي في الآية يمثل نموذجًا للعلاج بالتفويض والرضا، إذ يعترف الإنسان بعجزه، ويطلب العفو والرحمة والدعم.
هذا الدعاء يخفف الضغط النفسي الناتج عن الذنب أو التقصير، وهو ما يُعرَف اليوم في علم النفس باسم تحرير الشعور بالذنب الإيجابي.
رابعًا: الربط بالنظريات النفسية
تتفق مع نظرية ألبيرت إليس في العلاج العقلاني العاطفي، التي ترى أن الإنسان يتأثر بأفكاره حول الحدث وليس الحدث نفسه، والآية تعدل هذه الأفكار بالأمل والعفو.
تتوافق مع مدرسة العلاج السلوكي المعرفي (CBT)، حيث توفر نموذجًا للتفكير الإيجابي الواقعي في مواجهة الشعور بالذنب والخوف.
تتناقض مع بعض جوانب التحليل النفسي الفرويدي، الذي يُعلي من سلطة الأنا الأعلى بشكل قد يؤدي إلى قمع النفس وتأنيبها دون توازن، بينما الآية توازن بين الذنب والرجاء.
خامسًا: سبق القرآن للنظريات النفسية
القرآن سبق علم النفس الحديث في تقرير الحدود النفسية للتكليف، إذ لم يُكتشف في علم النفس إلا مؤخرًا أن الضغط فوق الطاقة يولّد الانهيار النفسي.
سبق نظرية العدالة المعرفية في التأكيد على أن الإنسان يُحاسَب على ما يستطيع فقط، وهو ما تعكسه الآية ببلاغة.
تجاوز القرآن علم النفس الحديث حين لم يكتفِ بالتقنين السلوكي، بل شرع الدعاء كأداة علاجية تهذب القلب، وتريح النفس.
سادسًا: الخلاصة
الآية 286 من سورة البقرة تُعد من أعظم النصوص القرآنية في بناء النفس السليمة المتزنة، فهي تقرر عدل الله ورحمته في التكليف، وتفتح باب العفو والتسامح الذاتي، وتقدم نموذجًا راقيًا للتعامل مع الخطأ والنسيان. وهي تتفوق على كثير من النظريات النفسية الحديثة من حيث الشمول والرحمة والقدرة على إحداث التوازن النفسي بين الشعور بالذنب والرجاء.
*