﴿ويرجون رحمته ويخافون عذابه﴾: التوازن بين الخوف والرجاء
﴿أُولَٰئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَىٰ رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾ [الإسراء: 57]
أولًا: أقوال المفسّرين
بيّن الطبري أن الآية تشير إلى الذين يسلكون السبل الصحيحة في الدعاء والعبادة، {يبتغون إلى ربهم الوسيلة}، أي الأعمال الصالحة والعبادات المقبولة التي تقربهم إلى الله، و{يرجون رحمته ويخشون عذابه} وصفهم بالتوازن بين الرجاء والخوف.
أوضح الماتريدي أن الوسيلة هنا تشمل كل الأعمال والعبادات التي تقرب الإنسان من الله، وأن أقرب تعني أن بعض الوسائل أشد قربًا للرحمة، والآية تعلم التدرج في الطاعة والوسائل المقبولة.
ذكر البغوي أن الآية تبرز أهمية اختيار الوسائل الصالحة للوصول إلى الله، و{يرجون رحمته ويخشون عذابه} تعبير عن التوازن النفسي والروحي بين الأمل والخوف.
أشار الزمخشري إلى أن {أولئك الذين يدعون} وصف للمؤمنين المتقين الذين يسعون للطاعة المشروعة، وأن {إن عذاب ربك كان محذورًا} تأكيد على وعيد الله لمن يخالف سبيله.
رأى الرازي أن الآية تبرز مبدأ الدعاء المشروط بالوسيلة الصالحة، وأن {يرجون رحمته ويخشون عذابه} دليل على الاعتدال في الشعور الروحي والتقوى.
أكد القرطبي أن الوسيلة تشمل كل الأعمال الصالحة والعبادات، وأن الآية تعلم التوازن بين الرجاء والخوف كأساس للسلوك القويم.
ذكر ابن كثير أن هذه الآية تدل على فضل الدعاء الصادق مع الوسائل المشروعة، ومحذور أي مؤكد الوعد بالعقاب للمعرضين عن الطريق الصحيح.
فصّل الألوسي أن الآية تعلم المؤمن أن الوسيلة الصحيحة لتحقيق القرب من الله هي الأعمال الصالحة، وأن التوازن بين الرجاء والخوف يحافظ على استقامة النفس.
أوضح الشوكاني أن الوسيلة تشمل الطاعات والعبادات، وأن {إن عذاب ربك كان محذورًا} تأكيد على جدية العقوبة لمن يخالف سبيل الله.
اعتبر ابن عاشور أن الآية تقدم درسًا تربويًا وروحيًا: المؤمن السالك للطاعة يوازن بين الرجاء والخوف، والوسائل المقبولة تقربه من رحمة الله وتحميه من العقاب.
ثانيًا: الشرح الموضوعي للآية
الآية تبيّن أن {أولئك الذين يدعون} يسعون للوصول إلى الله عبر الوسيلة، أي الأعمال الصالحة والطاعات، و{يرجون رحمته ويخشون عذابه} يظهر التوازن بين الرجاء والخوف، و{إن عذاب ربك كان محذورًا} تحذير للمعرضين عن الطريق الصحيح.
ثالثًا: التحليل النفسي
تعكس الآية التوازن النفسي بين الرجاء والخوف، ما يعزز الثقة بالله ويقلل القلق، ويوجه المؤمن إلى السلوك المتزن في حياته الروحية والاجتماعية.
رابعًا: النظريات النفسية
تتوافق مع "نظرية التوازن النفسي" (Psychological Balance Theory, Heider, 1946) التي تؤكد أهمية الموازنة بين مشاعر الرجاء والخوف لتحقيق الاستقرار النفسي، و"نظرية الأمل والخوف في اتخاذ القرار" (Hope-Fear Decision Theory, Snyder, 1994) التي تربط التوجيه السلوكي بالتحفيز النفسي المستند إلى التوقعات والمخاطر.
خامسًا: السبق القرآني
القرآن يسبق العلوم النفسية في إبراز التوازن بين الرجاء والخوف كأساس للتوجيه السلوكي والروحي، قبل ظهور نظريات التحفيز النفسي الحديثة.
سادسًا: الخلاصة
الآية تعلم أن الوصول إلى الله يكون عبر الوسائل المشروعة، وأن التوازن بين الرجاء والخوف يحفظ المؤمن ويقوده للطاعة الصحيحة، ويؤكد أن عذاب الله جدّي لمن يخالف الطريق المستقيم.