أبرز
الموضوعات
  1. الرئيسية
  2. المقالات
  3. ﴿ليخرجكم من الظلمات إلى النور﴾: من الحير
دراسة٤ دقائق للقراءة

﴿ليخرجكم من الظلمات إلى النور﴾: من الحيرة إلى البصيرة

بقلم: الشيخ الدكتور عبد الباسط محمد

﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: 43]

أولًا: أقوال المفسّرين

بيّن الطبري أن صلاة الله على المؤمنين رحمته وثناؤه عليهم، وأن صلاة الملائكة دعاؤهم لهم واستغفارهم، وأن ذلك كله سبب في إخراج المؤمنين من ظلمات الكفر والضلال إلى نور الإيمان والهدى.

ذكر الماتريدي أن صلاة الله على عباده تتضمن رحمته وإحسانه إليهم، وأن صلاة الملائكة استغفارهم ودعاؤهم، والمقصود أن الله يخص المؤمنين بعنايته حتى ينتقلوا من ظلمات الجهل والضلال إلى نور المعرفة والهداية.

أوضح البغوي أن معنى صلاة الله على المؤمنين رحمته وثناؤه عليهم، وصلاة الملائكة الدعاء والاستغفار، وأن الغاية هي إخراجهم من ظلمات الكفر والمعصية إلى نور الإيمان والطاعة.

ذكر القرطبي أن صلاة الله على عباده تكون بالرحمة والرضوان والثناء، وأن صلاة الملائكة الدعاء والاستغفار، وأن قوله {ليخرجكم من الظلمات إلى النور} يدل على انتقال المؤمن من ظلمات الكفر والجهل والمعصية إلى نور الإيمان والطاعة.

أشار ابن كثير إلى أن الله يخبر عن رحمته بعباده المؤمنين، وأن الملائكة تصلي عليهم، ليخرجهم بذلك من ظلمات الجهل والكفر إلى نور الحق والإيمان، وأن رحمته بالمؤمنين ثابتة واسعة.

ذكر الزمخشري أن صلاة الله على المؤمنين عنايته بهم وثناؤه عليهم، وصلاة الملائكة دعاؤهم لهم، وأن التعبير بالظلمات والنور يصور انتقال الإنسان من الضلال إلى الهدى ومن الجهل إلى المعرفة.

بيّن الرازي أن الآية تبرز عناية الله بالمؤمنين، وأن اجتماع صلاة الله وصلاة ملائكته عليهم يدل على رفعة شأنهم، وأن إخراجهم من الظلمات إلى النور يتضمن نقلهم من أحوال النقص والضلال إلى الهداية والكمال.

أوضح الألوسي أن صلاة الله على عباده تتضمن رحمته وإكرامه، وأن صلاة الملائكة دعاؤهم واستغفارهم، وأن الظلمات والنور في الآية محمولان على ظلمات الكفر والجهل والمعاصي ونور الإيمان والهداية والطاعة.

ذكر الشوكاني أن صلاة الله على المؤمنين رحمته بهم وثناؤه عليهم، وأن صلاة الملائكة استغفارهم ودعاؤهم، وأن المقصود إخراجهم من ظلمات الكفر والجهل إلى نور الإيمان والهدى.

أشار ابن عاشور إلى أن الآية جاءت عقب الأمر بالذكر والتسبيح لتبين ثمرة هذا الذكر من اتصال المؤمن بعناية الله، وأن صلاة الله وملائكته على المؤمنين تعبر عن الإكرام والرعاية، وأن إخراجهم من الظلمات إلى النور تصوير للانتقال من الضلال إلى الهدى ومن الغفلة إلى الوعي بالله.

ثانيًا: الشرح الموضوعي

تنتقل الآية من أمر المؤمنين بذكر الله وتسبيحه إلى بيان عناية الله بهم، فتخبر أن الله يصلي عليكم وأن ملائكته يصلون عليهم، أي تشملهم الرحمة والعناية والثناء، ويشملهم دعاء الملائكة واستغفارهم، والغاية من ذلك إخراجهم {من الظلمات إلى النور}، فالظلمات ترمز إلى أحوال الضلال والجهل والكفر والغفلة والمعصية، بينما يرمز النور إلى الإيمان والهداية والوعي والطاعة، ثم تختم الآية بقوله {وكان بالمؤمنين رحيمًا} لتجعل الرحمة الإلهية أساس هذه الرعاية والهداية، وتؤكد أن علاقة الله بالمؤمن قائمة على الرحمة والعناية والتوجيه إلى طريق النور.

ثالثًا: التحليل النفسي والسلوكي

تكشف الآية عن أثر الشعور بالعناية والرحمة في بناء الحالة النفسية للمؤمن، فالإنسان الذي يستشعر أنه ليس متروكًا للضياع، وأنه محاط بعناية الله ودعاء الملائكة، يكتسب قدرًا أكبر من الطمأنينة والأمل والقدرة على مقاومة اليأس، كما أن الانتقال من الظلمات إلى النور يمكن فهمه سلوكيًا باعتباره انتقالًا من حالة الغفلة والاضطراب وفقدان الاتجاه إلى حالة من وضوح المعنى والغاية، ويؤدي استحضار الرحمة الإلهية إلى دعم الدافعية الإيجابية بدل الاقتصار على الخوف، فيصبح السلوك الصالح مرتبطًا بالرجاء والثقة في رحمة الله، لا بمجرد تجنب العقوبة.

رابعًا: النظريات النفسية

نظرية التعلق (Attachment Theory): يمكن أن يرتبط استشعار العناية والرحمة الإلهية بتكوين شعور بالأمان النفسي والاطمئنان، بما يساعد الإنسان على مواجهة الضغوط بثبات أكبر.

نظرية الدافعية الذاتية (Self-Determination Theory): الشعور بالمعنى والارتباط بقيمة عليا يمكن أن يدعم الدافعية الداخلية نحو السلوك الإيجابي.

نظرية الأمل (Hope Theory): الانتقال من الظلمات إلى النور يتضمن تصورًا للانتقال من حالة صعبة إلى حالة أفضل، وهو ما يرتبط ببناء الأمل وتوجيه السلوك نحو غاية إيجابية.

نظرية إعادة التقييم المعرفي (Cognitive Reappraisal Theory): إعادة تفسير الخبرات الصعبة في ضوء الرحمة والعناية يمكن أن تخفف من أثرها الانفعالي وتساعد على استعادة الاتزان النفسي.

خامسًا: السبق القرآني

تقدم الآية تصورًا متكاملًا لأهمية الرحمة والأمان النفسي والمعنى في انتقال الإنسان من حالات الضياع إلى الهداية والاستقامة، وتربط بين الذكر وبين الشعور بالعناية الإلهية، ثم تصور التحول الداخلي بصورة رمزية مكثفة من الظلمات إلى النور، وهو ما يتقاطع مفهوميًا مع موضوعات تدرسها النفسية الحديثة مثل الأمان النفسي، والأمل، والدافعية، وإعادة التقييم المعرفي، دون أن يعني ذلك أن الآية تقدم نظرية نفسية بالمعنى الاصطلاحي الحديث.

سادسًا: الخلاصة

تؤكد الآية أن المؤمن يعيش في دائرة من الرحمة والعناية الإلهية، وأن صلاة الله وملائكته عليه ترتبط بإخراجه من ظلمات الضلال والغفلة إلى نور الإيمان والهداية، فتجمع بين الرحمة والهداية والأمل، وتربط التحول النفسي والسلوكي بشعور الإنسان بعناية الله به، ثم تختم بصفة {رحيمًا} لتؤكد أن الرحمة الإلهية هي الإطار الذي يحيط بالمؤمن في طريقه من الظلمات إلى النور.

الموسوعة القرآنية في علم النفس البشرية٣١ مجلداً — للطلب والاستفسار تواصلوا مع الشيخ عبر واتساب.
اقرأ أيضًا

مقالات ذات صلة

كل المقالات ←
دراسة٤ دقائق للقراءة

﴿ولا يجرمنّكم شنآن قوم على ألا تعدلوا﴾: العدل في لحظة الغضب

الآية الثامنة من سورة المائدة ليست فقط خطابًا للعدل، بل علاجًا نفسيًا للعقل البشري الذي يعاني من التحيّزات والانفعالات. إنها ترسي توازنًا نفسيًا متينًا: بين العدل والانفعال، بين الحق والغضب، بين واجبك كإنسان وميولك ككائن عاطفي.

من: «الموسوعة القرآنية في علم النفس البشرية» — الجزء السادس، تفسير الآية 8 من سورة المائدة
اقرأ المزيد ←
دراسة٥ دقائق للقراءة

﴿وتعاونوا على البر والتقوى﴾: التعاون والانتماء الإيجابي

تجمع هذه الآية بين احترام المقدسات، وضبط النفس، والعدالة، والبناء الاجتماعي، والتقوى. وهي واحدة من أعظم الآيات في بناء النفس المؤمنة، لأنها تخاطب الإنسان في لحظة ضغط انفعالي شديد، وتقدّم له طريقًا للخروج من دائرة الغضب إلى دائرة البر.

من: «الموسوعة القرآنية في علم النفس البشرية» — الجزء السادس، تفسير الآية 2 من سورة المائدة
اقرأ المزيد ←
دراسةدقيقتان للقراءة

﴿وربك الغفور ذو الرحمة﴾: سعة الرحمة والأمان النفسي

الآية تبرز صفة الغفور الرحيم لله، وتوضح أن تأخير العقاب رحمة للعباد وفرصة للتوبة، مع التأكيد أن يوم الجزاء آتٍ لا مهرب منه، مما يغرس الثقة بالله والعدل في نفوس المؤمنين.

من: «الموسوعة القرآنية في علم النفس البشرية» — الجزء الخامس عشر، تفسير الآية 58 من سورة الكهف
اقرأ المزيد ←