أبرز
الموضوعات
  1. الرئيسية
  2. المقالات
  3. ﴿ليعلم الله من يخافه بالغيب﴾: الرقابة ال
دراسة٣ دقائق للقراءة

﴿ليعلم الله من يخافه بالغيب﴾: الرقابة الداخلية وضبط النفس

بقلم: الشيخ الدكتور عبد الباسط محمد

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِّنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ فَمَنِ اعْتَدَىٰ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [المائدة: 94]

أولاً: أقوال المفسرين

الطبري (ت 310هـ): يرى أن الله ابتلى المؤمنين بالصيد في الحرم أو في حال الإحرام، فجعل الصيد قريباً منهم تناله أيديهم بسهولة (الفراخ والبيض) أو رماحهم (الكبار)، ليميز الخائف من الله في غيبته.

الماتريدي (ت 333هـ): اعتبر الابتلاء نوعاً من التربية الإلهية لتمرين النفوس على الصبر وكف الشهوات، إذ أن الامتحان في حال القدرة يكشف عن حقيقة التقوى.

الثعلبي (ت 427هـ): أوضح أن الآية نزلت في حجة الوداع حين كثر الصيد من حول المحرمين، وكان القريب منه يمر بين أيديهم امتحاناً لهم.

البغوي (ت 516هـ): فسر قوله تناله أيديكم بما يقدرون عليه من غير آلة (الفراخ والبيض)، ورماحكم بما لا يُنال إلا بآلة، ليجمع بين الصغير والكبير.

الزمخشري (ت 538هـ): أشار إلى أن الآية تكشف عن مقصد بلاغي: إذ جمع بين الأيدي والرماح ليشمل الامتحان جميع صور القرب والبعد من الصيد، في حال السهولة أو المشقة.

القرطبي (ت 671هـ): قرر أن الامتحان كان في الحرم والإحرام مع كثرة الصيد، والمراد بالابتلاء: الاختبار في كف النفس رغم التمكُّن، وأكد أن الاعتداء بعد البيان يستوجب العقاب الأليم.

ابن كثير (ت 774هـ): قال إن الله ابتلى عباده ليظهر من يخافه بالغيب، وذكر روايات عن ابن عباس أن الصيد كان يغشى المحرم في فراشه، فيُمنع من قتله.

أبو حيان الأندلسي (ت 745هـ): اعتبر أن ليعلم الله تعني ليظهر علمه للخلق بالفعل، فالابتلاء كاشف عن المكنون في النفوس.

الآلوسي (ت 1270هـ): ميّز بين الابتلاء في الظاهر والباطن، فالصيد الظاهر ابتلاء حسي، والخوف بالغيب ابتلاء قلبي يكشف صدق الإيمان.

الطنطاوي (ت 1431هـ): بيّن أن هذا الامتحان صورة من صور التربية الإيمانية، حيث يُختبر المسلم في ضبط غرائزه عند توفر الدواعي، وهو تربية للضمير الحي الذي يخشى الله وحده.

ثانياً: الشرح الموضوعي

الآية تعرض مبدأ الابتلاء الإلهي كوسيلة لتمييز المؤمن الحق من المدعي، وذلك في مجال الشهوة والغريزة (حب الصيد والانتفاع به). الامتحان كان عملياً وواقعياً، إذ جعل الله الصيد قريباً وميسوراً، ليكشف من يطيع أمره وهو قادر على المخالفة. هذا البعد يربط بين حرية الاختيار وصدق الإيمان.

ثالثاً: التحليل النفسي

التجربة السلوكية (Behavioral test): الامتناع عن الصيد رغم القدرة هو صورة من "ضبط الاستجابات" في علم النفس السلوكي، يشبه ما يُعرف بتجارب تأجيل الإشباع (Marshmallow Test).

البعد المعرفي: الخوف من الله في الغيب يمثل "الرقابة الداخلية" (Internal locus of control) التي تضبط سلوك الفرد دون حاجة لرقابة خارجية.

الديناميات النفسية: الامتحان يُظهر صراع الهوى (حب الصيد) مقابل قيمة الطاعة، مما يعكس البنية العميقة للأخلاق.

التأثير الاجتماعي: الجماعة المؤمنة تُربى على الانضباط الجماعي، فلا يكون الدين مجرد شعائر، بل سلوك عملي في مواقف الشهوة والقدرة.

رابعاً: النظريات النفسية المرتبطة

نظرية التعزيز (Skinner): ضبط النفس هنا بمثابة رفض للاستجابة رغم وجود مثير قوي (الصيد).

نظرية الضبط الذاتي (Baumeister): القدرة على مقاومة الإغراء تمثل مورداً نفسياً يعزز النجاح الاجتماعي والديني.

التحفيز الداخلي (Deci & Ryan – Self-Determination Theory): الخوف من الله بالغيب يُترجم إلى دافع داخلي يعزز السلوك الطوعي بعيداً عن المراقبة الخارجية.

خامساً: السبق القرآني

الآية قدمت مبدأ الامتحان بالغريزة عند وفرة الداعي قبل أن تتحدث الدراسات الحديثة عن قيمة "اختبارات القدرة على ضبط النفس" كمعيار للتنبؤ بالنجاح الشخصي والاجتماعي.

سادساً: الخلاصة

الآية الكريمة تبرز بعداً تربوياً ونفسياً عميقاً؛ فالابتلاء بالصيد في ظروف القدرة واليسر يكشف صدق الإيمان، ويُربي الضمير على تقوى الله في الغيب، ويؤسس لمفهوم ضبط النفس الذي يعد من أعظم مقومات الشخصية المؤمنة المتوازنة.

الآية [المائدة: 95]

الموسوعة القرآنية في علم النفس البشرية٣١ مجلداً — للطلب والاستفسار تواصلوا مع الشيخ عبر واتساب.
اقرأ أيضًا

مقالات ذات صلة

كل المقالات ←
دراسة٤ دقائق للقراءة

﴿ولا يجرمنّكم شنآن قوم على ألا تعدلوا﴾: العدل في لحظة الغضب

الآية الثامنة من سورة المائدة ليست فقط خطابًا للعدل، بل علاجًا نفسيًا للعقل البشري الذي يعاني من التحيّزات والانفعالات. إنها ترسي توازنًا نفسيًا متينًا: بين العدل والانفعال، بين الحق والغضب، بين واجبك كإنسان وميولك ككائن عاطفي.

من: «الموسوعة القرآنية في علم النفس البشرية» — الجزء السادس، تفسير الآية 8 من سورة المائدة
اقرأ المزيد ←
دراسة٥ دقائق للقراءة

﴿وتعاونوا على البر والتقوى﴾: التعاون والانتماء الإيجابي

تجمع هذه الآية بين احترام المقدسات، وضبط النفس، والعدالة، والبناء الاجتماعي، والتقوى. وهي واحدة من أعظم الآيات في بناء النفس المؤمنة، لأنها تخاطب الإنسان في لحظة ضغط انفعالي شديد، وتقدّم له طريقًا للخروج من دائرة الغضب إلى دائرة البر.

من: «الموسوعة القرآنية في علم النفس البشرية» — الجزء السادس، تفسير الآية 2 من سورة المائدة
اقرأ المزيد ←
دراسةدقيقتان للقراءة

﴿وربك الغفور ذو الرحمة﴾: سعة الرحمة والأمان النفسي

الآية تبرز صفة الغفور الرحيم لله، وتوضح أن تأخير العقاب رحمة للعباد وفرصة للتوبة، مع التأكيد أن يوم الجزاء آتٍ لا مهرب منه، مما يغرس الثقة بالله والعدل في نفوس المؤمنين.

من: «الموسوعة القرآنية في علم النفس البشرية» — الجزء الخامس عشر، تفسير الآية 58 من سورة الكهف
اقرأ المزيد ←