أبرز
الموضوعات
  1. الرئيسية
  2. المقالات
  3. رحلة داوود الأنطاكي: «أبو الصيدلة» الضري
مقال٤ دقائق للقراءة

رحلة داوود الأنطاكي: «أبو الصيدلة» الضرير الذي ألّف أشهر كتاب في الدواء

بقلم: الشيخ الدكتور عبد الباسط محمد

هو: داوود بن عمر الأنطاكي، عالم بالطب والأدب، كان ضريرًا، انتهت إليه رياسة الأطباء في زمانه، وُلِد في أنطاكيا (تركيا الآن)، وحفظ القرآن الكريم، وقرأ المنطق والرياضيات وشيئًا من الطبيعيات، ودرس اللغة اليونانية فأحكمها.

استجاب «داوود» لخطة أستاذه «بَهْزَاد» في تعليمه، وتقدَّم في دراسته للغة الفارسية، ولعلوم لا بد منها لمن يدرس الطب؛ حتى جاء يومٌ وعى فيه عقله الناضج، وحفظت فيه ذاكرته القوية لغة الفرس، ومعارف العلوم الدُّنيوية التي لا يعرفها إلى زمانه سوى العلماء.

وحين بلغ داوود العشرين من عمره راح «بهزاد» يُعلمه ما يَعلمه من معارف الطب تشخيصًا وعلاجًا، واعتاد «بهزاد» أن يصحب تلميذه «داوود» معه، كلما ذهب لزيارة مريض من مرضاه، ويصف له بصوت مسموع حال المريض، وأعراض مرضه، ويجعله يتحسس بيديه مواضع الداء في جسم المريض، ويذكر له الدواء الشافي لمرضاه.

واعتاد «داوود» أن يسمع في جولاته تهامس الناس: «فاقد البصر ويدرُس الطب؟! لم نسمع بهذا من قبل!».

واعتاد «داوود» ألَّا يحزن أو يفرح بما يسمعه من تعليقات الاستنكار أو الإعجاب.

وتدرجت ثقة «بهزاد» بداوود، فراح يترك له فحص المريض، ثم يلتفت لأستاذه قائلًا: أرى أنه مريض بكذا، وأن علاجه بكذا وكذا، وغذاءه يكون بكذا وكذا.

كان «داوود» قوي البديهة، يُسأل عن الشيء من الفنون فيملي على السائل الكراسة والكراستين، قال المحبي: وقد شاهدت رجلًا سأله عن حقيقة النفس البشرية فأملى عليه رسالة عظيمة من تصانيفه «تذكرة أولي الألباب».

رحلاته

الرحلة الأولى

كان «داوود» قد بلغ من العمر خمسةً وعشرين عامًا، حين فاجأه «بهزاد» بقوله: «آن لك يا داوود أن تسافر إلى بلاد الروم في الأناضول، وبيزنطة؛ ولذلك ستحفظ عني ما أعرفه من اللغتين اليونانية واللاتينية، أنت ومن سيكون رفيقًا لك في سفرك لتلك البلاد».

وامتثل «داوود» لأستاذه، وكان رفيقه في الرحلة ابن عم له اسمه «أحمد».

أتقن «داوود» خلال سنوات هذه الرحلة اللغة اليونانية واللاتينية والتركية، وحصَّل معارف الطب اليوناني مع ابن عمه، وعادا معًا إلى «أنطاكية» يحملان معهما على ظهور البغال صناديق ملأى بالكتب المنسوخة.

الرحلة الثانية

قرَّر «داوود» أنه سيغادر أنطاكية إلى مصر، فمصر لا تزال دارًا للعلم والعلماء، وفي مصر ثمة علم كثير ما يزال هو بحاجة إليه.

هبط «داوود» وابن عمه أرض مصر، واستقر بحي الأزهر في القاهرة، وولَّى «داوود» وجهه شطر البيمارستانات القاهرية؛ وخاصة البيمارستان المنصوري، الذي بدأ يدرس فيه وفي مكتبته العامرة كتب السابقين في علم الصيدلة، فاجتمعت لديه معرفة طبية نباتية، بلغ عددُها ثلاثة آلاف نباتًا، حصَّلها من كتب التراث العربية واليونانية والفارسية، وكانت قائمة علماء هذه المعرفة بالدواء كثيرة الأسماء، منها: الكندي، الرازي، الأهوازي، ابن سينا، البيروني، ابن ماجه، الإدريسي، ابن البيطار.

وقُدِّر لداوود أن يكون هو آخر العلماء العرب بالدواء، وأن يؤلِّف ـ وهو الكفيف البصر ـ أكبر وأخلد وأشهر كتاب في علم الدواء.

وخلال إقامته في القاهرة منحته ألقابًا يفخر بها، ومن بين هذه الألقاب: أبقراط زمانه، والعلَّامة الطبيب، والحكيم، والفريد، والطبيب الحاذق، والصيدلاني الضرير.

من ثمرات رحلاته

في السنوات التالية، وطوال أكثر من ربُع قرن، راح «داوود» يُملي على ابن عمه، ومن ذاكرته القوية العجيبة، كتابًا في ثلاثة مُجلدات: «تذكرة أولي الألباب»، واشتُهر بين الناس بـ«تذكرة داوود»، عن الأدوية المفردة والمركبة، من النباتات والمعادن والحيوانات، ونادرًا ما كان يتوقف ليتثبت لنفسه وللعلم من أمر شك فيه، أو غاب عنه، فيطلب من ابن عمه أن يفتح له مرجعًا بعينه، ثم يواصل الإملاء من جديد.

وفي أرجاء الأرض، وإلى عديد من لغات العالم في العصر الوسيط والحديث، تُرجمت «تذكرة داوود»، وأعدَّ الأطباء عنها التهذيبات، ولها الملخصات.

ولقد ظلت «تذكرة داوود» المرجع في التداوي من الأمراض عددًا من القرون، في مدارس ومعاهد وكليات الطب في أوروبا والعالم الإسلامي، وهو مرجع جعل كل ما قبله من مراجع يتوارى في الظل.

وفي عصرنا الحديث، يشيع العلاج بالأدوية الكيماوية، مع مُستخلصات طبيعية طبية من النباتات، والمعادن، والحيوانات.

وفي العقود الأخيرة من القرن العشرين تعود إلى مسرح العلاج الطبي الأدوية الطبية الطبيعية؛ لتنازع الأدوية الكيماوية عرشها، وتباع الآن هذه الأدوية الآن في عديد من صيدليات أوروبا، طازجة ومجفَّفة، ويُقبل عليها الناس في صيدليات عربية، وعند العطَّارين، تفاديًا للآثار الجانبية للأدوية الكيماوية، وهي عودة سيحتل فيها «داوود ابن عمر الأنطاكي» وكتابه «التذكرة» مركز الصدارة، التي كانت لهما في القرون الخالية.

ومن ثمرات رحلاته أيضًا

«تزيين الأسواق» في الأدب، اختصره من «أسواق الأشواق» للبقاعي، وله: «النزهة المبهجة في تشحيذ الأذهان وتعديل الأمزجة»، «غاية المرام في تحرير المنطق والكلام»، «نزهة الأذهان في إصلاح الأبدان»، «زينة الطروسي في أحكام العقول والنفوس»، «ألفية في الطب»، «شرح عينية ابن سينا»، «رسالة في علم الهيئة».

وفي مكة أدّى «داوود بن عمر الأنطاكي» فريضة الحج، ولم يكد ينتهي منها حتى وافاه الأجل عام 1008 هـ = 1600 م، وهو يُصلي الفجر في المسجد الحرام، وعاد الحجيج بدونه.

متوفر الآن للحجز والشحنلكل المحافظات المصرية والدول العربية. للطلب والاستفسار تواصلوا مع الشيخ مباشرة عبر واتساب، أو من الموقع الرسمي sheikhabdulbasit.com
اقرأ أيضًا

مقالات ذات صلة

كل المقالات ←
دراسة٣ دقائق للقراءة

الموسوعة القرآنية في علم النفس البشرية: المنهج وشهادات العلماء

عمل علمي في ثلاثين جزءًا بعدد أجزاء المصحف، بمراجعة وتقديم مولانا الشهاوي شيخ الشافعية ونخبة من علماء الأزهر، والمفكر إسماعيل حسانين العمدة.

من: مقدمات «الموسوعة القرآنية في علم النفس البشرية» وتقديمات العلماء لها
اقرأ المزيد ←
مقالدقيقتان للقراءة

الذكاء العاطفي في القرآن والسنة

في عصر كثرت فيه الضغوط النفسية وتنوعت فيه التحديات الاجتماعية، يبرز مفهوم الذكاء العاطفي بوصفه ركيزة من ركائز النضج النفسي والاجتماعي.

من: كتاب «علم النفس في ضوء القرآن الكريم والسنة النبوية» — الفصل الخامس عشر
اقرأ المزيد ←