أبرز
الموضوعات
  1. الرئيسية
  2. المقالات
  3. ﴿أمّن يجيب المضطر إذا دعاه﴾: الدعاء ملاذ
دراسة٥ دقائق للقراءة

﴿أمّن يجيب المضطر إذا دعاه﴾: الدعاء ملاذ النفس في الشدة

بقلم: الشيخ الدكتور عبد الباسط محمد

﴿أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ ۗ أَإِلَٰهٌ مَّعَ اللَّهِ ۚ قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ﴾ [النمل: 62]

أولًا: أقوال المفسّرين

بيّن الطبري أن معنى ﴿أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ﴾ أي: من يجيب دعاء من نزلت به شدة واضطر إليه الأمر، إذا دعاه واستغاث به، ويكشف عنه السوء والضر، ومن يجعلكم خلفاء في الأرض، يخلف بعضكم بعضًا في عمارتها والسكن فيها. ثم جاء قوله ﴿أَإِلَٰهٌ مَّعَ اللَّهِ﴾ إنكارًا على المشركين، وقوله ﴿قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ﴾ أي قليلًا ما يتعظون ويتفكرون في هذه الحجج الدالة على وحدانية الله.

أوضح الماتريدي أن الآية تذكّر بنعمة عظيمة، وهي أن الله تعالى يجيب المضطر ويكشف عنه السوء، وهي حالة يظهر فيها عجز المخلوق وافتقاره إلى خالقه، ولذلك يكون التوجه إلى الله في حال الاضطرار من أقوى الأدلة على أنه وحده المستحق للعبادة. وقوله ﴿وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ﴾ يدل على تعاقب الناس فيها، وانتقال أحوالها إليهم جيلًا بعد جيل.

ذكر البغوي أن ﴿الْمُضْطَرَّ﴾ هو الذي نزل به الضر والحاجة، فإذا دعا الله أجابه وكشف عنه السوء، وقيل: إن المراد بالمضطر المخلص في دعائه عند الشدة. ومعنى ﴿وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ﴾ أي يخلف بعضكم بعضًا فيها، ثم قال: ﴿أَإِلَٰهٌ مَّعَ اللَّهِ﴾ أي أمع الله إله يفعل ذلك؟ ثم وبّخهم بقوله ﴿قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ﴾ لقلة تذكرهم لنعم الله ودلائل قدرته.

أوضح القرطبي أن في الآية دليلًا على أن الله سبحانه هو الذي يُلتجأ إليه عند الشدائد، وهو الذي يكشف الضر ويجيب دعاء المضطر. وذكر أن قوله ﴿خُلَفَاءَ الْأَرْضِ﴾ يحتمل أن يكون معناه أن الناس يخلف بعضهم بعضًا فيها، أو يجعلهم خلفاء عن الأمم السابقة. ثم جاء الاستفهام ﴿أَإِلَٰهٌ مَّعَ اللَّهِ﴾ للإنكار، أي لا أحد يشارك الله في هذه القدرة والنعمة، وقوله ﴿قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ﴾ ذمٌّ

أشار ابن كثير إلى أن الله تعالى يذكر من فضله أنه يجيب المضطر إذا دعاه، ويكشف الضر عن المكروبين، ويجعل الناس خلفاء في الأرض، أي يخلف بعضهم بعضًا فيها. ثم يقرر أن هذه الأفعال لا يقدر عليها إلا الله، ولذلك جاء قوله ﴿أَإِلَٰهٌ مَّعَ اللَّهِ﴾ إنكارًا للشرك، ثم قال ﴿قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ﴾ أي ما أقل تذكرهم واعتبارهم بهذه الآيات.

ذكر الزمخشري أن وصف الإنسان بالمضطر في الآية يبيّن غاية افتقاره إلى الله، فإذا انقطعت عنه أسباب النجاة توجه إلى الله وحده، فيجيبه ويكشف عنه السوء. ثم عطف على ذلك جعل الناس خلفاء في الأرض، ليجمع بين نعمة دفع الضر ونعمة التمكين في الحياة.

بيّن الرازي أن الآية تشتمل على برهان قوي على التوحيد؛ فإن الإنسان إذا نزلت به الشدة وعجز عن دفعها بنفسه وبمن حوله، لم يجد في فطرته ملجأ إلا الله تعالى، فإذا دعاه كشف عنه الضر. ثم إن جعل الناس خلفاء في الأرض من أعظم وجوه النعمة، إذ يهيئ لهم أسباب البقاء والتصرف فيها. فاجتماع هذه النعم يدل على أن المستحق للعبادة هو الله وحده، ولذلك كان الاستفهام ﴿أَإِلَٰهٌ مَّعَ اللَّهِ﴾ إبطالًا للشرك.

أوضح الألوسي أن المضطر هو الذي أحاطت به الشدائد وانقطعت عنه أسباب دفعها، فيلجأ إلى الله تعالى، فيجيبه سبحانه ويكشف عنه السوء. وقوله ﴿وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ﴾ إشارة إلى استخلاف الناس بعضهم بعد بعض، وما يترتب على ذلك من بقاء العمران واستمرار الحياة. ثم جاء قوله ﴿أَإِلَٰهٌ مَّعَ اللَّهِ﴾ للإنكار، وقوله ﴿قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ﴾ لبيان غفلتهم عن هذه الدلائل.

ذكر الشوكاني أن الله تعالى هو الذي يجيب المضطر إذا دعاه، ويكشف السوء عنه، ويجعل الناس خلفاء في الأرض، وهذه كلها نعم لا يقدر عليها غيره سبحانه. والاستفهام في ﴿أَإِلَٰهٌ مَّعَ اللَّهِ﴾ للإنكار والتوبيخ، أي هل يوجد مع الله من يشاركه في شيء من هذه الأفعال؟ ثم ذمّهم بقوله ﴿قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ﴾، أي لا يتذكرون هذه النعم ولا يعتبرون بها.

أشار ابن عاشور إلى أن الآية انتقلت إلى ذكر نعمة أخرى من نعم الله، وهي إجابة المضطر وكشف السوء، لأن حال الاضطرار من أقوى الأحوال التي يظهر فيها افتقار الإنسان إلى ربه وانقطاعه عما سواه. ثم ذكرت نعمة الاستخلاف في الأرض، وهي نعمة تتصل باستمرار الحياة الإنسانية وتعاقب الأجيال. وجاء الاستفهام ﴿أَإِلَٰهٌ مَّعَ اللَّهِ﴾ إنكاريًا لإبطال الشرك، ثم ختمت الآية بقوله ﴿قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ﴾ للدلالة على أن هذه البراهين ظاهرة، لكن أكثر الناس لا يحسنون تذكر ما تقتضيه من توحيد الله وإفراده بالعبادة.

ثانيًا: الشرح الموضوعي

الآية تركز على قدرة الله في الإجابة على دعاء المضطرين، وكشف الشرور، وعمارة الأرض بالإنسان.

التساؤل البلاغي يوضح استحالة وجود إله آخر يشارك الله في هذه القدرة.

تشير الآية إلى أن قليلين هم الذين يتذكرون هذه الحقائق ويتفكرون فيها.

ثالثًا: التحليل النفسي

تعزيز الشعور بالاعتماد على الله في أوقات الشدة والاضطرار.

الكشف عن الميل النفسي للغفلة وعدم التفكر في قدرة الله في حياة الإنسان اليومية.

توجيه النفس نحو التفكر في دور الإنسان كخليفة على الأرض ومسؤولياته تجاهها.

رابعًا: النظريات النفسية

نظرية الاعتماد على القوة العليا (Rotter, 1966): التفكر في قدرة الله على الاستجابة يعزز الشعور بالأمان النفسي.

نظرية النمو الروحي (Maslow, 1943): التفكر في حماية الله وعمارة الأرض يحفز السعي نحو تحقيق الذات والوعي الروحي.

نظرية الإدراك الاجتماعي (Bandura, 1977): التفكر في التدبير الإلهي يقوي القيم الأخلاقية والسلوك المسؤول.

نظرية الكبت النفسي (Freud, 1920): الإغفال عن قدرة الله يؤدي إلى القلق النفسي والشعور بالعجز أمام الأحداث.

خامسًا: السبق القرآني

سبق القرآن في الربط بين قدرة الله على الاستجابة للإنسان وعمارة الأرض.

سبق في توظيف التساؤل البلاغي لتحدي المفاهيم الخاطئة عن تعدد الآلهة ﴿أَإِلَٰهٌ مَّعَ اللَّهِ﴾.

سبق في التركيز على الإنسان كمخلوق مسؤول وكمضطر يحتاج إلى استجابة الله كجزء من العلاقة الروحية.

سادسًا: الخلاصة

الآية تؤكد تفرد الله في الاستجابة للمضطرين وكشف الشرور، وتبين استحالة وجود إله آخر يشارك الله في هذه القدرة ﴿أَإِلَٰهٌ مَّعَ اللَّهِ ۚ قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ﴾.

التأمل في هذه الآية يعزز الإدراك النفسي والروحي للإنسان، ويقوي شعوره بالاعتماد على الله والتفكر في دوره كخليفة على الأرض.

الموسوعة القرآنية في علم النفس البشرية٣١ مجلداً — للطلب والاستفسار تواصلوا مع الشيخ عبر واتساب.
اقرأ أيضًا

مقالات ذات صلة

كل المقالات ←
دراسة٣ دقائق للقراءة

الموسوعة القرآنية في علم النفس البشرية: المنهج وشهادات العلماء

عمل علمي في ثلاثين جزءًا بعدد أجزاء المصحف، بمراجعة وتقديم مولانا الشهاوي شيخ الشافعية ونخبة من علماء الأزهر، والمفكر إسماعيل حسانين العمدة.

من: مقدمات «الموسوعة القرآنية في علم النفس البشرية» وتقديمات العلماء لها
اقرأ المزيد ←
دراسة٤ دقائق للقراءة

تحويل القبلة ومقاومة النفس للتغيير: قراءة نفسية في سورة البقرة (142)

يتناول هذا الموضع حالةً نموذجية من مقاومة النفس البشرية للتغيير، خاصة حين يكون التغيير في أمر تعبّدي مألوف؛ فالنفس تميل إلى ما اعتادته وترفض الانسلاخ عنه، لا لفساده، بل لألفةٍ ترسّخت فيها.

من: «الموسوعة القرآنية في علم النفس البشرية» — الجزء الثاني، تفسير الآية 142 من سورة البقرة
اقرأ المزيد ←
دراسة٣ دقائق للقراءة

{قد نرى تقلب وجهك في السماء}: حين يواكب الوحي مشاعر النفس

لحظة قرآنية تُظهر انسجام الإرادة الإلهية مع الفطرة النبوية، وتُبرز كيف أن القرآن لا يكتفي بإعطاء الأحكام، بل يواكب المشاعر، ويتعامل مع الانتظارات القلبية.

من: «الموسوعة القرآنية في علم النفس البشرية» — الجزء الثاني، تفسير الآية 144 من سورة البقرة
اقرأ المزيد ←