أبرز
الموضوعات
  1. الرئيسية
  2. المقالات
  3. ﴿اتخذوا هذا القرآن مهجورا﴾: هجر القرآن و
دراسة٣ دقائق للقراءة

﴿اتخذوا هذا القرآن مهجورا﴾: هجر القرآن وأثره في النفس

بقلم: الشيخ الدكتور عبد الباسط محمد

﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَٰذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ [الفرقان: 30]

أولًا: أقوال المفسّرين

بيّن الطبري أن هذا شكوى من الرسول ﷺ إلى ربّه يوم القيامة، يشكو فيها إعراض قومه عن القرآن، وأن الهجر ليس مقصورًا على ترك التلاوة، بل يشمل ترك الإيمان به، والعمل بأحكامه، والتدبر في معانيه.

ذكر البغوي أن معنى ﴿مَهْجُورًا﴾ أي متروكًا لا يُعمل به ولا يُحتكم إليه، وأن هذه الشكوى تشمل كل من أعرض عن القرآن وإن انتسب إلى الإسلام ظاهرًا.

أوضح الزمخشري أن الآية في غاية التوبيخ، لأن اتخاذ القرآن مهجورًا يدل على قلب الأولويات، حيث يُقصى مصدر الهداية ويُستبدل بغيره، وهو هجر فكري وسلوكي قبل أن يكون لفظيًا.

بيّن الرازي أن الهجر مراتب، منها هجر السماع، وهجر الفهم، وهجر الامتثال، وأن أشدها أثرًا الهجر العملي، لأن القرآن حين لا يُترجم إلى سلوك يصبح وجوده شكليًا بلا أثر.

أكد القرطبي أن في الآية تحذيرًا بليغًا من الوقوع في هذا الوصف، وأن الرسول ﷺ لا يشكو إلا من جرم عظيم، وهو تعطيل القرآن عن دوره في توجيه الحياة.

ذكر ابن كثير أن هذه الشكوى ستُقال على وجه الخصوص للكفار، لكنها على وجه العموم تشمل كل من أعرض عن القرآن أو استبدل به غيره من الآراء والأهواء.

أوضح الشوكاني أن اتخاذ القرآن مهجورًا يشمل ترك التحاكم إليه، وترك العمل به، وأن مجرد القراءة دون امتثال لا ترفع وصف الهجر.

أضاف الألوسي أن الآية من أشد الآيات وقعًا على النفس المؤمنة، لأنها تكشف أن الخطر ليس في إنكار القرآن فقط، بل في تحييده عن واقع الحياة، وهو هجر مقنّع.

أوضح الماتريدي أن الهجر المذكور هنا هجر اختياري لا قهري، وأن الإنسان مسؤول عن موقفه من الوحي، فإما أن يجعله قائدًا لحياته أو شاهدًا عليه.

ثانيًا: الشرح الموضوعي

الآية تمثل ذروة المشهد السابق من الندم والخذلان، حيث يُكشف أصل الانحراف: هجر القرآن.

شكوى الرسول ليست انفعالية، بل تقرير لحقيقة سلوكية عاشها الناس مع الوحي. الهجر لا يعني الترك التام، بل قد يكون حضورًا بلا أثر. الآية توجّه خطابًا مباشرًا لكل أمة ولكل فرد في علاقته بالقرآن.

ثالثًا: التحليل النفسي

الآية تكشف أخطر أشكال الانفصال النفسي: الانفصال عن مصدر المعنى.

هجر القرآن يولّد فراغًا قيميًا يجعل النفس عرضة للتأثر بالهوى والشيطان.

الإنسان قد يطمئن نفسيًا بالانتماء الشكلي، لكنه ينهار عند المحاسبة.

شكوى الرسول تمثل صدمة وجدانية للنفس التي تدّعي القرب من الدين دون التزام.

رابعًا: النظريات النفسية

نظرية فقدان المعنى Frankl, 1959 توضّح أن الابتعاد عن القيم العليا يولد فراغًا وجوديًا.

نظرية الانفصال المعرفي Beck, 1976 تفسر التناقض بين الاعتقاد والسلوك عند هجر القرآن عمليًا.

نظرية التوجيه القيمي Rokeach, 1973 تبيّن أن تغييب القيم المركزية يؤدي إلى اضطراب القرار والسلوك.

نظرية التنافر القيمي Festinger, 1957 تشرح الألم النفسي الناتج عن ادّعاء الالتزام مع غياب التطبيق.

خامسًا: السبق القرآني

سبق القرآن في تشخيص الهجر بوصفه سلوكًا نفسيًا قبل أن يكون موقفًا عقديًا.

سبق في تحميل الإنسان مسؤولية علاقته بالوحي لا بمجرد انتسابه.

سبق في التحذير من التدين الشكلي الخالي من الامتثال.

سبق في بيان أن الوحي إن لم يُقُد الحياة صار شاهدًا على صاحبها.

سادسًا: الخلاصة

الآية تمثل صرخة نبوية في وجه كل أشكال الإعراض المقنّع عن القرآن.

من منظور نفسي قرآني، هجر القرآن هو هجر للمعنى، وللبوصلة الداخلية التي تضبط الفكر والسلوك.

فالقرآن إمّا أن يكون قائدًا للإنسان في الدنيا، أو خصمًا له يوم الحساب، وتلك هي القضية التي تحسمها هذه الآية بوضوح قاطع.

الموسوعة القرآنية في علم النفس البشرية٣١ مجلداً — للطلب والاستفسار تواصلوا مع الشيخ عبر واتساب.
اقرأ أيضًا

مقالات ذات صلة

كل المقالات ←
دراسة٣ دقائق للقراءة

الموسوعة القرآنية في علم النفس البشرية: المنهج وشهادات العلماء

عمل علمي في ثلاثين جزءًا بعدد أجزاء المصحف، بمراجعة وتقديم مولانا الشهاوي شيخ الشافعية ونخبة من علماء الأزهر، والمفكر إسماعيل حسانين العمدة.

من: مقدمات «الموسوعة القرآنية في علم النفس البشرية» وتقديمات العلماء لها
اقرأ المزيد ←
دراسة٤ دقائق للقراءة

تحويل القبلة ومقاومة النفس للتغيير: قراءة نفسية في سورة البقرة (142)

يتناول هذا الموضع حالةً نموذجية من مقاومة النفس البشرية للتغيير، خاصة حين يكون التغيير في أمر تعبّدي مألوف؛ فالنفس تميل إلى ما اعتادته وترفض الانسلاخ عنه، لا لفساده، بل لألفةٍ ترسّخت فيها.

من: «الموسوعة القرآنية في علم النفس البشرية» — الجزء الثاني، تفسير الآية 142 من سورة البقرة
اقرأ المزيد ←
دراسة٣ دقائق للقراءة

{قد نرى تقلب وجهك في السماء}: حين يواكب الوحي مشاعر النفس

لحظة قرآنية تُظهر انسجام الإرادة الإلهية مع الفطرة النبوية، وتُبرز كيف أن القرآن لا يكتفي بإعطاء الأحكام، بل يواكب المشاعر، ويتعامل مع الانتظارات القلبية.

من: «الموسوعة القرآنية في علم النفس البشرية» — الجزء الثاني، تفسير الآية 144 من سورة البقرة
اقرأ المزيد ←