أبرز
الموضوعات
  1. الرئيسية
  2. المقالات
  3. دعوى الاكتفاء بالقرآن والسنة دون فهم الع
دراسة١٨ دقيقة للقراءة

دعوى الاكتفاء بالقرآن والسنة دون فهم العلماء

بقلم: الشيخ الدكتور عبد الباسط محمد

من أبرز مظاهر الانحراف الفكري في العصر الحديث، ظهور دعوات تروّج للاكتفاء بالقرآن والسنة دون الرجوع إلى فهم العلماء، بزعم أن النصوص واضحة لكل أحد، وأن الرجوع إلى العلماء يُفضي إلى التقليد والتبعية.

وهذه الدعوى في حقيقتها تهدم أساسًا من أسس الدين، وتُقصي الوسائط التي جعلها الله سببًا لفهم الوحي، وهم العلماء الربانيون.

أولًا: منزلة العلماء في القرآن الكريم

رفع الله تعالى مكانة العلماء في كتابه، وجعلهم في مصافّ أهل الفهم والبصيرة، بل قرن شهادتهم بشهادته وشهادة الملائكة:

﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ﴾ [آل عمران: 18]:
  • وهذا يدل على أن العلماء هم أهل التوحيد الحق، وأهل الفهم العميق لمعانيه، ولذلك شهدوا به كما شهد الله وملائكته.

كما قال تعالى:

﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: 9]

فجعل الله العلم معيارًا للتفاضل بين الناس، لا مجرد الانتساب للنصوص.

وقال أيضًا:

﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: 28]

فالخشية الحقيقية لا تكون إلا لمن عرف الله حق المعرفة، وهذا لا يتحقق إلا بالعلم.

ثانيًا: منزلة العلماء في السنة النبوية

جاءت الأحاديث النبوية لتؤكد هذا المعنى، وتُعلي من شأن العلماء، وتُبيّن أنهم ورثة الأنبياء، وأن فضلهم على سائر الناس كفضل القمر على سائر الكواكب.

قال النبي ﷺ:

"فضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب".

وفي الحديث الآخر

"إن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا دينارًا ولا درهمًا، وإنما ورثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظ وافر ".

وهذا يدل على أن العلماء هم الامتداد الطبيعي للنبوة، فهم الذين يُبيّنون للناس دينهم، ويُفسّرون لهم النصوص، ويُزيلون عنهم الشبهات.

ثالثًا: العلماء في فهم الصحابة والتابعين

  • كان الصحابة رضي الله عنهم يُفرّقون بين من يحفظ النص ومن يفهمه، وكانوا يرجعون إلى أهل العلم منهم في النوازل والمشكلات.

قال ابن عباس رضي الله عنهما:

"تفسير القرآن على أربعة أوجه: وجه تعرفه العرب من كلامها، وتفسير لا يُعذر أحد بجهالته، وتفسير يعلمه العلماء، وتفسير لا يعلمه إلا الله".

فجعل ابن عباس التفسير علمًا له طبقات، وأقرّ بأن بعضه لا يعلمه إلا العلماء، وهذا يدل على أن فهم النصوص ليس متاحًا لكل أحد.

رابعًا: العلماء في كلام السلف

قال الإمام أحمد بن حنبل:

"الناس محتاجون إلى العلم أكثر من حاجتهم إلى الطعام والشراب، لأن الطعام والشراب يحتاج إليه مرة أو مرتين، والعلم يحتاج إليه في كل وقت".

وقال الإمام الشافعي:

"إذا صح الحديث فهو مذهبي، وإذا رأيت الحجة في غير قولي فخذ بها".

وهذا يدل على أن العلماء لا يُقدّمون أنفسهم على النص، بل هم خُدّام للنص، لكنهم يُبيّنون معناه ويُزيلون الإشكال عنه.

خامسًا: العلماء في واقع الأمة

عبر التاريخ، كان العلماء هم الذين يُحافظون على الدين، ويُواجهون الانحرافات، ويُرشدون الناس في الفتن، ويُفسّرون لهم النصوص بما يتفق مع أصول الشريعة ومقاصدها.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية:

"فمن جعل فهمه للنصوص هو الدين، دون أن يرجع إلى فهم السلف، فقد ضلّ وأضلّ".

وهذا يُبيّن أن الفهم الفردي للنصوص دون الرجوع إلى العلماء يُفضي إلى الضلال، مهما كانت النية حسنة.

سادسًا: العلماء في مواجهة دعاوى الاكتفاء بالنصوص

العلماء هممن أبرز مظاهر الانحراف الفكري في العصر الحديث، ظهور دعوات تروّج للاكتفاء بالقرآن والسنة دون الرجوع إلى فهم العلماء، بزعم أن النصوص واضحة لكل أحد، وأن الرجوع إلى العلماء يُفضي إلى التقليد والتبعية. وهذه الدعوى في حقيقتها تهدم أساسًا من أسس الدين، وتُقصي الوسائط التي جعلها الله سببًا لفهم الوحي، وهم العلماء الربانيون.

طبيعة النصوص الشرعية وحاجة الناس إلى العلماء

القرآن الكريم والسنة النبوية هما مصدر التشريع الإسلامي، لكن فهمهما ليس أمرًا تلقائيًا أو مباشرًا لكل أحد، بل يتطلب أدوات علمية ومنهجية دقيقة. وهذا ما يُبرز الحاجة إلى العلماء، فهم الذين يُدركون طبيعة النصوص، ويُفرّقون بين أنواعها، ويُزيلون الإشكال عنها، ويُبيّنون للناس مراد الله ورسوله.

أولًا: تنوع النصوص الشرعية واختلاف دلالاتها

النصوص الشرعية ليست على وتيرة واحدة، بل فيها

المجمل والمبيّن: كقوله تعالى ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [البقرة: 43]، وهو مجمل لا يُفهم منه عدد الركعات ولا هيئتها، وقد بيّنت السنة ذلك.

العام والخاص: كقوله تعالى ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: 38]، وهو عام، لكن خُصّ بمن سرق نصابًا بشروط معينة.

الناسخ والمنسوخ: كقوله تعالى ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا﴾ [البقرة: 240]، ثم نُسخت بآية العدة.

وهذا التنوع يُحتّم وجود من يُميّز بين هذه الأنواع، ويُبيّن حدودها، وهم العلماء.

ثانيًا: الحاجة إلى أدوات الاجتهاد لفهم النصوص

لا يكفي مجرد قراءة النص لفهمه، بل لا بد من امتلاك أدوات علمية، منها

  • اللغة العربية: لفهم دلالات الألفاظ، وأساليب البيان، ومواطن المجاز والكناية.
  • علم أصول الفقه: لفهم طرق الاستنباط، وحجية الأدلة، وترتيبها.
  • علم المقاصد: لفهم الغايات الشرعية، وتقديم المصلحة العامة على الجزئية.
  • الناسخ والمنسوخ، والحديث الصحيح والضعيف، وأقوال السلف: وهي علوم لا تُدرك إلا بالتلقي والدراسة.
  • ومن هنا، فإن من يزعم أنه يستطيع فهم النصوص دون هذه الأدوات، يُشبه من يُريد ممارسة الطب دون دراسة الطب.

ثالثًا: خطورة الفهم السطحي للنصوص دون تأصيل علمي

من يقرأ النصوص دون علم، يُعرضها للتحريف أو سوء الفهم، ومن أمثلة ذلك

  • من قرأ قوله تعالى ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ﴾ [الماعون: 4] دون أن يُكمل الآية، قد يظن أن الصلاة مذمومة، وهذا جهل.

من قرأ قوله: ﷺ "من بدل دينه فاقتلوه" دون فهم سياقه، قد يظن أن الإسلام يُبيح القتل المطلق، وهذا خطأ".

من قرأ قوله تعالى ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة 2:] دون معرفة أحكام الإحرام، قد يظن أن الصيد جائز مطلقًا، وهذا خلاف الإجماع.

وهذه الأمثلة تُبيّن أن النصوص تحتاج إلى فهم دقيق، وأن القراءة السطحية تُفضي إلى الانحراف.

رابعًا: العلماء هم الذين يُزيلون الإشكال ويُبيّنون المراد

قال الله تعالى:

﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: 43]

وهذا أمر صريح بالرجوع إلى أهل العلم، لا إلى مجرد النص.

وقال النبي ﷺ:

"ألا سألوا إذا لم يعلموا؟ فإنما شفاء العي السؤال".

فجعل السؤال للعلماء هو طريق الشفاء من الجهل، لا الاكتفاء بالنص.

خامسًا: فهم العلماء للنصوص ليس بديلًا عنها بل هو خادم لها

العلماء لا يُقدّمون فهمهم على النص، بل يُفسّرونه ويُبيّنون مراد الله ورسوله، وهم يُدركون أن النص هو الأصل، لكن الفهم هو الوسيلة.

قال الإمام ابن القيم:

"النصوص لا تُفهم إلا بفهم السلف، ومن خالفهم فقد ضلّ".

وقال الإمام الشاطبي:

"القرآن لا يُفهم إلا في ضوء مقاصده، ولا تُدرك المقاصد إلا بالعلم ".

سادسًا: نماذج من انحرافات من اكتفوا بالنصوص دون العلماء

  • الخوارج: اكتفوا بظاهر النصوص، فكفّروا المسلمين، واستحلوا دماءهم، وقالوا: "لا حكم إلا لله"، وهي كلمة حق أُريد بها باطل.
  • بعض الجماعات المعاصرة: فسّرت الجهاد تفسيرًا عدوانيًا، دون الرجوع إلى العلماء، فنتج عن ذلك الإرهاب والتكفير.
  • من يُنكر السنة: بزعم أن القرآن يكفي، فأنكروا الصلاة والزكاة والحج؛ لأن تفاصيلها في السنة.

يتبيّن أن النصوص الشرعية بطبيعتها تحتاج إلى فهم علمي، وأن العلماء هم الذين يمتلكون أدوات هذا الفهم، وأن الاكتفاء بالنصوص دون الرجوع إليهم يُفضي إلى الانحراف والزلل. ومن هنا، فإن دعوى الاكتفاء بالقرآن والسنة دون العلماء هي دعوى تُناقض طبيعة النصوص نفسها، وتُخالف منهج السلف، وتُعرّض الدين للفوضى.

الرد على دعاوى الاكتفاء بالنصوص

تنتشر في بعض الأوساط الفكرية والدعوية دعوى تقول: "يكفينا القرآن والسنة، ولا حاجة لفهم العلماء"، وهي دعوى ظاهرها التمسك بالوحي، وباطنها إقصاء المرجعية العلمية، وتفكيك منهج الفهم الصحيح. في هذا الفصل، نُبيّن بطلان هذه الدعوى من خلال النصوص نفسها، ومن خلال الواقع والتاريخ، ومن خلال المنهج العلمي الذي سار عليه السلف الصالح.

أولًا: القرآن والسنة يأمران بالرجوع إلى العلماء

من المفارقات أن من يرفع شعار "القرآن والسنة فقط"، يُخالفهما حين يُقصي العلماء، لأن النصوص نفسها تأمر بالرجوع إليهم:

قال الله تعالى:

﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: 43]

وهذا نص صريح في أن الجاهل لا يُفسّر النص بنفسه، بل يسأل أهل الذكر، وهم العلماء.

وقال تعالى:

﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ﴾ [الأنبياء: 7]

فجعل الله السؤال للعلماء هو السبيل لفهم الوحي، لا مجرد القراءة الفردية.

وقال النبي ﷺ:

"ألا سألوا إذا لم يعلموا؟ فإنما شفاء العي السؤال".

فجعل السؤال للعلماء هو العلاج من الجهل، لا الاكتفاء بالنص.

ثانيًا: فهم النصوص لا يكون إلا عبر العلماء

  • النصوص الشرعية تحتاج إلى تفسير، وتوضيح، وربط بالسياق، وهذا لا يُدركه إلا العلماء.

قال الإمام ابن عبد البر:

"العلماء هم الذين يُبيّنون للناس معاني النصوص، ويُزيلون الإشكال عنها، ويُرشدون إلى العمل بها".

وقال الإمام الشاطبي:

"القرآن لا يُفهم إلا في ضوء المقاصد، ولا تُدرك المقاصد إلا بالعلم، ولا يُدرك العلم إلا بالتلقي عن أهله ".

ثالثًا: نماذج من الانحراف بسبب الفهم الفردي للنصوص

من يقرأ النصوص دون علم، يُعرّضها للتحريف، ومن أمثلة ذلك

  • الخوارج: قالوا "لا حكم إلا لله"، ورفضوا التحكيم، وكفّروا الصحابة، رغم أن النبي ﷺ حذّر منهم.
  • من أنكر السنة: بزعم أن القرآن يكفي، فأنكروا الصلاة والزكاة والحج، لأن تفاصيلها في السنة.
  • من فسّر الجهاد تفسيرًا عدوانيًا: دون الرجوع إلى العلماء، فنتج عن ذلك الإرهاب والتكفير.

رابعًا: السلف الصالح لم يكتفوا بالنصوص بل رجعوا إلى العلماء

  • الصحابة أنفسهم كانوا يرجعون إلى أهل العلم منهم، ولم يكن كل واحد يُفسّر النص بنفسه.

قال ابن عباس:

"كنت أسأل عمر عن مسائل في القرآن، وكان يُبيّن لي ما أشكل عليّ".

وقال الإمام مالك:

"لا يُؤخذ العلم من صحفيٍّ ولا من سُفليٍّ، ولكن يُؤخذ من أفواه الرجال".

خامسًا: الرد على شبهة القرآن تبيان لكل شيء

يقول بعضهم: "القرآن تبيان لكل شيء، فلا حاجة للعلماء"، ويستدلون بقوله تعالى:

﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل: 89]

لكن هذا التبيان لا يعني أن كل التفاصيل موجودة فيه، بل يعني أنه أصل الهداية، ويُحيل إلى السنة والعلماء.

قال الإمام الطبري:

"التبيان هنا يعني أنه أصل الدين، ويُبيّن أصوله، أما التفاصيل فبيّنتها السنة".

وقال السيوطي:

"القرآن فيه أصول الأحكام، والسنة تُفصّلها، والعلماء يُفسّرونها".

سادسًا: الرد على شبهة قال الله وقال الرسول فقط

  • يقول بعضهم: "نأخذ فقط بقال الله وقال الرسول، ولا نأخذ بقال العلماء"، وهذا خلط بين الأصل والوسيلة.

قال الإمام ابن القيم:

"العلماء لا يُقدّمون أقوالهم على النص، بل يُفسّرونه، ومن رفض أقوالهم فقد رفض تفسير النص".

وقال الإمام الشافعي:

"إذا صح الحديث فهو مذهبي، وإذا رأيت الحجة في غير قولي فخذ بها ".

فالعلماء لا يُشرّعون من عند أنفسهم، بل يُفسّرون النصوص، ويُبيّنون مراد الله ورسوله.

سابعًا: الرد على شبهة العلماء يختلفون، فلماذا لا نرجع للنص مباشرة؟

  • الاختلاف بين العلماء رحمة، وهو ناتج عن اجتهادهم في فهم النص، وليس عن مخالفة له.

قال النبي ﷺ:

"اختلاف أمتي رحمة".

وقال الإمام ابن تيمية:

"الاختلاف بين العلماء لا يُوجب رفضهم، بل يُوجب الرجوع إلى الأعلم والأورع".

والرجوع إلى النص مباشرة دون أدوات علمية يُفضي إلى الفوضى، كما حدث مع كثير من الجماعات المنحرفة.

يتبيّن أن دعوى الاكتفاء بالنصوص دون الرجوع إلى العلماء هي دعوى تُناقض النصوص نفسها، وتُخالف منهج السلف، وتُعرّض الدين للفوضى والانحراف. وأن العلماء هم الوسيلة لفهم النص، لا بديل عنه، وأن من يُقصيهم يُقصي الفهم الصحيح، ويُعرّض نفسه للزلل والضلال.

شبهات دعاة الاكتفاء والرد عليها

منهج الاكتفاء بالقرآن والسنة دون الرجوع إلى العلماء لا يقوم فقط على الجهل، بل على شبهات يُروّج لها أصحاب هذا الاتجاه، ويُلبّسون بها على العامة، ويُظهرون بها أنهم أكثر تمسكًا بالوحي. وفي هذا الفصل، نعرض أبرز هذه الشبهات، ونُفنّدها علميًا ومنهجيًا، مع بيان خطرها على الفهم الصحيح للدين.

أولًا: شبهة القرآن تبيان لكل شيء

يستدل أصحاب هذه الدعوى بقوله تعالى

﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل: 89]

ويقولون: إذا كان القرآن يُبيّن كل شيء، فلماذا نحتاج إلى العلماء؟

الرد:

  • التبيان هنا لا يعني أن كل التفاصيل موجودة في القرآن، بل أن القرآن يُبيّن أصول الدين، ويُحيل إلى السنة والعلماء.
  • قال السيوطي: "القرآن فيه أصول الأحكام، والسنة تُفصّلها، والعلماء يُفسّرونها".
  • ولو كان القرآن يُغني عن السنة والعلماء، لما احتاج الصحابة إلى تفسيره، ولما سألوا النبي ﷺ عن معانيه.

ثانيًا: شبهة قال الله وقال الرسول فقط

  • يقول بعضهم": نأخذ فقط بقال الله وقال الرسول، ولا نأخذ بقال العلماء"، ويُظهرون بذلك أنهم أكثر تمسكًا بالوحي.

الرد:

  • العلماء لا يُقدّمون أقوالهم على النص، بل يُفسّرونه ويُبيّنون مراد الله ورسوله.
  • قال الإمام الشافعي: "إذا صح الحديث فهو مذهبي، وإذا رأيت الحجة في غير قولي فخذ بها".
  • من رفض أقوال العلماء، فقد رفض تفسير النص؛ لأن النص لا يُفهم إلا عبرهم.

ثالثًا: شبهة العلماء يختلفون، فلماذا لا نرجع للنص مباشرة؟

  • يقول بعضهم: "العلماء يختلفون، وهذا يُربك الناس، فالأفضل الرجوع للنص مباشرة".

الرد:

  • الاختلاف بين العلماء رحمة، وهو ناتج عن اجتهادهم في فهم النص، وليس عن مخالفة له.
  • قال ابن تيمية: "الاختلاف بين العلماء لا يُوجب رفضهم، بل يُوجب الرجوع إلى الأعلم والأورع".
  • الرجوع إلى النص مباشرة دون أدوات علمية يُفضي إلى الفوضى، كما حدث مع كثير من الجماعات المنحرفة.

رابعًا: شبهة العلماء بشر، يُخطئون ويُصيبون

  • يقول بعضهم: "العلماء ليسوا معصومين، فلماذا نُقلّدهم أو نرجع إليهم؟"

الرد:

  • نعم، العلماء يُخطئون ويُصيبون، لكنهم أهل الاختصاص، والرجوع إليهم واجب كما نرجع إلى الطبيب في الطب، والمهندس في البناء.
  • قال الإمام أحمد: "الناس محتاجون إلى العلم أكثر من حاجتهم إلى الطعام والشراب ".
  • الخطأ لا يُوجب إقصاء العلماء، بل يُوجب التمحيص، والرجوع إلى الأوثق والأعلم.

خامسًا: شبهة القراءة المباشرة للنصوص تُغني عن التفسير

  • يقول بعضهم: "نقرأ القرآن والحديث بأنفسنا، ونفهم منه ما نحتاج، ولا حاجة للتفسير أو الشرح".

الرد:

  • هذا يُناقض منهج الصحابة، الذين كانوا يسألون النبي ﷺ عن معاني الآيات، ويُفسّرها لهم.
  • قال ابن عباس: "تفسير القرآن على أربعة أوجه... وتفسير يعلمه العلماء".
  • من قرأ قوله تعالى ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ﴾ دون أن يُكمل الآية، قد يظن أن الصلاة مذمومة، وهذا جهل.

سادسًا: شبهة الرجوع إلى العلماء يُفضي إلى التقليد

  • يقول بعضهم: "الرجوع إلى العلماء يُفضي إلى التقليد، ونحن نريد أن نفهم الدين بأنفسنا".

الرد:

  • التقليد للعوام جائز، بل واجب، لأنهم لا يملكون أدوات الاجتهاد.
  • قال الإمام النووي: "العوام لا مذهب لهم، بل مذهبهم مذهب مفتيهم".
  • من يُريد أن يجتهد، عليه أن يتعلّم أولًا، ثم يُجتهد، لا أن يُفتي بجهل.

يتبيّن أن شبهات دعاة الاكتفاء بالنصوص دون العلماء هي شبهات ظاهرها التمسك بالوحي، وباطنها تفكيك منهج الفهم الصحيح. وأن الرد عليها يكون بالنصوص نفسها، وبمنهج السلف، وبالواقع العلمي. وأن العلماء هم الوسيلة لفهم النص، لا بديل عنه، وأن من يُقصيهم يُقصي الفهم، ويُعرّض نفسه للزلل والضلال.

أثر إقصاء العلماء في انتشار البدع والانحرافات

حين يُقصى العلماء من ساحة الفهم والتوجيه، ويُستبدل بهم أفراد يزعمون فهم النصوص مباشرة دون علم أو تأصيل، تبدأ الانحرافات الفكرية والعقدية والسلوكية في الظهور. فالعلماء هم صمّام الأمان، وهم الذين يُميّزون بين الحق والباطل، ويُرشدون الناس إلى سواء السبيل. وفي هذا الفصل، نُبيّن كيف أن إقصاء العلماء أدى إلى انتشار البدع، وظهور جماعات متطرفة، وتفكك المرجعية الدينية.

أولًا: العلماء هم الحصن ضد البدع والانحرافات

قال النبي ﷺ:

"يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله، ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين".

فجعل العلماء هم الذين يُنقّون الدين من التحريف والانتحال والجهل، وهم الذين يُحافظون على نقاء الوحي.

وقال الإمام ابن سيرين:

"إن هذا العلم دين، فانظروا عمن تأخذون دينكم".

فجعل التلقي عن العلماء شرطًا لصحة الدين، وحذّر من الأخذ عن غيرهم.

ثانيًا: إقصاء العلماء أدى إلى ظهور جماعات متطرفة

  • من أبرز نتائج إقصاء العلماء، ظهور جماعات تُفسّر النصوص تفسيرًا عدوانيًا، وتُكفّر المسلمين، وتُبيح الدماء، بزعم التمسك بالوحي.
  • الخوارج: أول من رفع شعار "لا حكم إلا لله"، ورفضوا التحكيم، وكفّروا الصحابة، رغم أن النبي ﷺحذّر منهم.
  • جماعات التكفير المعاصرة: فسّرت آيات الجهاد دون الرجوع إلى العلماء، فنتج عن ذلك الإرهاب والتفجير.
  • من يُنكر السنة: بزعم أن القرآن يكفي، فأنكروا الصلاة والزكاة والحج، لأن تفاصيلها في السنة.

ثالثًا: غياب المرجعية العلمية يُفضي إلى الفوضى الفكرية

  • حين يُقصى العلماء، يُصبح كل فرد مُفسّرًا، وكل رأي مُعتبرًا، وتضيع الضوابط، وتنتشر الفوضى.

قال الإمام الشاطبي:

"إذا تُركت المرجعية العلمية، صار كل أحد يُفسّر النص بحسب هواه، ووقع الناس في التناقض والاضطراب".

وقال ابن تيمية:

"من جعل فهمه للنصوص هو الدين، دون أن يرجع إلى فهم السلف، فقد ضلّ وأضلّ".

رابعًا: نماذج تاريخية لانحرافات بسبب تجاهل العلماء

  • فتنة خلق القرآن: حين تبنّى بعض الخلفاء رأيًا عقديًا دون الرجوع إلى العلماء، ووقع الاضطراب، حتى ثبت الإمام أحمد.
  • فتنة التكفير في العصر الحديث: حين فسّر بعض الشباب النصوص دون علم، ووقعوا في تكفير المجتمعات، واستباحة الدماء.
  • فتنة إنكار السنة: حين زعم بعضهم أن القرآن يكفي، فأنكروا العبادات، وخرجوا عن جماعة المسلمين.

خامسًا: العلماء يُصحّحون الانحراف ويُرشدون الأمة

  • حين تقع الفتن، يكون العلماء هم الذين يُرشدون الناس، ويُبيّنون الحق، ويُزيلون الشبهات.

قال الإمام مالك:

"لو ترك الناس كل قول يخالفه أحد، لذهب الدين كله".

وقال الإمام أحمد:

"الناس محتاجون إلى العلم أكثر من حاجتهم إلى الطعام والشراب".

سادسًا: إقصاء العلماء يُضعف وحدة الأمة

  • العلماء هم الذين يُوحّدون الأمة على الفهم الصحيح، ويُزيلون الخلاف، ويُرشدون إلى الوسطية، وحين يُقصَون، تتفكك الأمة.

قال الإمام النووي:

"العوام لا مذهب لهم، بل مذهبهم مذهب مفتيهم".

وقال ابن عبد البر:

"العلماء هم الذين يُبيّنون للناس معاني النصوص، ويُزيلون الإشكال عنها، ويُرشدون إلى العمل بها".

يتبيّن أن إقصاء العلماء من ساحة الفهم والتوجيه يُفضي إلى انتشار البدع، وظهور جماعات متطرفة، وتفكك المرجعية الدينية، وفوضى فكرية، وانحرافات عقدية وسلوكية. وأن العلماء هم الحصن المنيع، والمرجعية الشرعية، والوسيلة لفهم النصوص، وأن من يُقصيهم يُقصي الفهم، ويُعرّض الأمة للضياع.

واجب المسلم تجاه العلماء

إذا كانت منزلة العلماء عظيمة في الدين، وكان الرجوع إليهم ضرورة لفهم النصوص، فإن للمسلم واجبًا تجاههم، لا يقتصر على الاستفادة من علمهم، بل يشمل احترامهم، والتلقي عنهم، والدعاء لهم، والدفاع عنهم، وعدم الطعن فيهم. وفي هذا الفصل، نُبيّن هذه الواجبات، ونُؤصّلها من الكتاب والسنة وأقوال السلف.

أولًا: وجوب الرجوع إلى العلماء في الفهم والاستفتاء

قال الله تعالى:

﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: 43]

وهذا أمر صريح بالرجوع إلى العلماء في حال الجهل، لا إلى النفس أو الهوى.

وقال النبي ﷺ:

"ألا سألوا إذا لم يعلموا؟ فإنما شفاء العي السؤال".

فالسؤال للعلماء هو طريق الفهم، وهو واجب على من لا يعلم.

ثانيًا: تقليد المجتهدين للعوام واجب شرعي

  • العوام لا يملكون أدوات الاجتهاد، ولا يُحسنون الاستنباط، ولذلك يجب عليهم تقليد العلماء.

قال الإمام النووي:

"العوام لا مذهب لهم، بل مذهبهم مذهب مفتيهم".

وقال الإمام الآمدي:

"التقليد جائز للعوام، بل واجب، لأنهم لا يملكون أدوات الاجتهاد ".

والتقليد هنا لا يعني التبعية العمياء، بل هو رجوع إلى أهل الاختصاص.

ثالثًا: احترام العلماء وعدم الطعن فيهم

  • الطعن في العلماء يُفضي إلى إسقاط الدين، لأنهم حملة الوحي، ومُفسّروه، ومُعلّموه.

قال الإمام ابن عساكر:

"لحوم العلماء مسمومة، وعادة الله في هتك منتقصيهم معلومة".

وقال الإمام أحمد:

"من طعن في العلماء، فقد طعن في الدين".

والاحترام لا يعني العصمة، بل يعني التقدير، والعدل، والإنصاف.

رابعًا: التلقي عن العلماء شرط لصحة الفهم

قال الإمام مالك:

"لا يُؤخذ العلم من صحفيٍّ ولا من سُفليٍّ، ولكن يُؤخذ من أفواه الرجال".

وقال الإمام الشاطبي:

"القرآن لا يُفهم إلا في ضوء المقاصد، ولا تُدرك المقاصد إلا بالعلم، ولا يُدرك العلم إلا بالتلقي عن أهله".

فمن أراد أن يفهم الدين، فعليه أن يتعلّم من العلماء، لا أن يكتفي بالقراءة الفردية.

خامسًا: الدعاء للعلماء والذبّ عنهم

  • من واجب المسلم أن يدعو للعلماء، ويُدافع عنهم، ويُحسن الظن بهم، لأنهم ورثة الأنبياء، وحماة الدين.

قال النبي ﷺ:

"إن العلماء ورثة الأنبياء".

وقال الإمام ابن القيم:

"من أحب العلماء، أحب الدين، ومن أبغضهم، أبغض الدين".

سادسًا: التوازن بين احترام العلماء وعدم الغلو فيهم

  • الاحترام لا يعني التقديس، والغلو، والعصمة، بل يعني التقدير والعدل.

قال الإمام الشافعي:

"كل أحد يُؤخذ من قوله ويُرد، إلا صاحب هذا القبر".

فالعالم يُحترم، ويُؤخذ منه، ويُرد عليه بأدب، ولا يُجعل قوله فوق الوحي.

يتبيّن أن واجب المسلم تجاه العلماء يشمل الرجوع إليهم، وتقليدهم، واحترامهم، والتلقي عنهم، والدعاء لهم، والدفاع عنهم، وعدم الطعن فيهم. وأن العلماء هم الوسيلة لفهم النصوص، وهم ورثة الأنبياء، وأن من يُقصيهم يُقصي الفهم، ويُعرّض نفسه للزلل والضلال.

بعد استعراض الفصول السابقة، يتبيّن بوضوح أن دعوى الاكتفاء بالقرآن والسنة دون الرجوع إلى العلماء ليست دعوى علمية، ولا منهجًا شرعيًا، بل هي انحراف عن سبيل المؤمنين، وتفكيك لمنظومة الفهم التي أرساها الوحي نفسه. فالقرآن الكريم والسنة النبوية لم يُنزلا ليُفهما كلٌ بحسب هواه، بل أُنزلا ليُفهما في ضوء العلم، والتأصيل، والتلقي، والاجتهاد، وكل ذلك لا يتحقق إلا عبر العلماء الربانيين.

لقد أثبتنا من خلال هذا الفصل أن

  • العلماء لهم منزلة عظيمة في القرآن والسنة، وهم ورثة الأنبياء، وحملة الدين، ومُفسّرو النصوص، ومُعلّمو الأمة.
  • النصوص الشرعية بطبيعتها تحتاج إلى أدوات علمية لفهمها، كعلم اللغة، والأصول، والمقاصد، والناسخ والمنسوخ، ولا يُدرك ذلك إلا العلماء.
  • دعاوى الاكتفاء بالنصوص دون العلماء تُناقض النصوص نفسها، وتُخالف منهج السلف، وتُعرّض الدين للفوضى والانحراف.

الشبهات التي يُروّج لها أصحاب هذا الاتجاه، كدعوى "القرآن تبيان لكل شيء"، أو "قال الله وقال الرسول فقط"، أو "العلماء يختلفون"، كلها شبهات مردودة بالنصوص والعقل والتاريخ.

إقصاء العلماء أدى إلى ظهور جماعات متطرفة، وانحرافات عقدية وسلوكية، وفتن فكرية، وتفكك المرجعية الدينية.

واجب المسلم تجاه العلماء يشمل الرجوع إليهم، واحترامهم، والتلقي عنهم، والدعاء لهم، والدفاع عنهم، وعدم الطعن فيهم.

إن هذه الدراسة تُوجّه رسالة واضحة: أن الفهم الصحيح للدين لا يكون إلا عبر العلماء، وأن من يُقصيهم يُقصي الفهم، ويُعرّض نفسه للزلل والضلال، ويُساهم في تفكيك الأمة، وتشويه الوحي، وتحريف الدين.

وختامًا، فإننا ندعو إلى التوازن: التمسك بالوحي، مع الرجوع إلى العلماء، واحترامهم دون غلو، والاستفادة منهم دون تعصب، والتلقي عنهم دون تقديس. فالدين لا يُفهم إلا بهم، ولا يُحفظ إلا عبرهم، ولا يُنصر إلا بعلمهم.

﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ﴾ [التوبة: 122].
متوفر الآن للحجز والشحنلكل المحافظات المصرية والدول العربية. للطلب والاستفسار تواصلوا مع الشيخ مباشرة عبر واتساب، أو من الموقع الرسمي sheikhabdulbasit.com
اقرأ أيضًا

مقالات ذات صلة

كل المقالات ←
مقال٧ دقائق للقراءة

لماذا نحتاج إلى إمام في فهم الدين؟

الإنسان بطبيعته محتاج إلى من يعلمه ويوجهه. ولو تُرك كل واحد منا ليستنبط الأحكام الشرعية بنفسه من القرآن والسنة، لوقع الاضطراب والاختلاف الشديد.

من: كتاب «لماذا نتبع إمامًا ومذهبًا؟ (اللا مذهبية بدعةٌ تهدد الدين)» – المقدمة
اقرأ المزيد ←
دراسة٧ دقائق للقراءة

أزمة الفوضى الفقهية عند الشباب: الأسباب والمخاطر والحلول

شهدت العقود الأخيرة موجةً من التحرر من الالتزام بالمذاهب الفقهية الأربعة، خاصة بين الشباب المتدينين المتطلعين للعودة إلى «الكتاب والسنة» مباشرة، متأثرين بخطاب دعوي أو ثقافي يعظّم «اللا-مذهبية» ويعتبرها أصلاً للتحرر من التعصب. لكن هذه النزعة، وإن…

من: كتاب «لماذا نتبع إمامًا ومذهبًا؟ (اللا مذهبية بدعةٌ تهدد الدين)» – الباب الأول
اقرأ المزيد ←
دراسة١٣ دقيقة للقراءة

الإمام أبو حنيفة النعمان: سيرته ومنهجه وأثره

يُعدّ الإمام أبو حنيفة النعمان بن ثابت الكوفي (80-150هـ/699-767م) من أعلام الإسلام البارزين، وأحد الأئمة الأربعة الذين اعتمدت الأمة مذاهبهم في الفقه. وُصف بأنّه إمام أهل الرأي، وأنه من أكثر الفقهاء إعمالًا للعقل مع التزامه بالنصوص الشرعية. انتشر…

من: كتاب «لماذا نتبع إمامًا ومذهبًا؟ (اللا مذهبية بدعةٌ تهدد الدين)» – الباب الثاني
اقرأ المزيد ←