﴿يشرح صدره للإسلام﴾: انشراح الصدر وضيقه في ميزان النفس
﴿فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَٰلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام: 125]
أوّلًا: أقوال المفسَّرين
أوضح الطبري أن معنى {يشرح صدره} أي يوسّعه للإسلام حتى يقبله وينقاد له، بينما {ضيقًا حرجًا} أي شديد الضيق عن قبوله، كمن يتكلف الصعود إلى السماء فلا يقدر147.
ذكر الماتريدي أن انشراح الصدر للإسلام توفيق من الله يمنح العبد قبولًا للحق وطمأنينة له، أما الضيق فهو نتيجة حرمان الهداية.148
بيَّن البغويأن التشبيه بالصعود في السماء يراد به تصوير المشقة والعسر في تقبّل الكافر للإسلام، إذ يستحيل عليه كما يستحيل على الإنسان الصعود بلا وسيلة149.
قال الزمخشري: إن الآية من أبلغ الاستعارات، إذ شبه الكافر في ضيق صدره بمن يُسحب إلى الأعلى وهو يختنق، دلالة على شدة النفور من الحق150.
اعتبر الرازي أن انشراح الصدر دليل على نور يقذفه الله في القلب فيقبله بطمأنينة، بينما الضيق والحرج علامة على الحرمان والخذلان151.
أوضح القرطبي أن الهداية محض فضل من الله، والضلال عدل منه، وأن هذا البيان يؤكد أن القلوب بيد الله، يفتحها ويغلقها بحكمته152.
ذكر ابن كثير أن المؤمن يُعطى انشراحًا للإسلام وسعة لقبوله، أما الكافر فصدره مغلق مظلم لا يجد راحة، كمن يزاول أمرًا مستحيلًا كالصعود للسماء153.
ثانيًا: الشرح الموضوعي للآية
الآية تبيّن أن الهداية والضلال بيد الله، فهو يشرح صدر من أراد هدايته فيتسع قلبه للإسلام ويقبله بطمأنينة، بينما يجعل صدر من أراد ضلاله ضيقًا حرجًا، كمن يحاول الصعود إلى السماء فيختنق. وفي النهاية يجعل الله الرجس – أي العذاب والحرمان – على من لا يؤمنون.
ثالثًا: التحليل النفسي للآية
انشراح الصدر: رمز للراحة النفسية والسكينة الداخلية الناتجة عن الإيمان.
ضيق الصدر: يعبر عن القلق والاضطراب النفسي الملازم للكافر.
الصعود في السماء: صورة بليغة لحالة العسر النفسي والاختناق الوجودي عند مواجهة الحق.
رابعًا: النظريات النفسية الحديثة المتوافقة مع الآية
نظرية السكينة الدينية (Religious Tranquility Theory): الإيمان يمنح طمأنينة وسعة صدر، وهو ما يعبر عنه القرآن بانشراح الصدر154.
نظرية القلق الوجودي (Existential Anxiety Theory): رفض الحق يؤدي إلى ضيق وجودي خانق يشبه الاختناق النفسي155.
نظرية الإدراك الروحي (Spiritual Cognition Theory): قبول الوحي يوسّع الإدراك ويفتح الأفق النفسي، بخلاف رفضه الذي يضيّق الوعي 156.
خامسًا: السبق القرآني
الآية سبقت في توضيح العلاقة بين الإيمان والحالة النفسية:
التشخيص النفسي الدقيق: صوّرت الإيمان بانشراح الصدر (راحة نفسية) والكفر بضيق الصدر (قلق واختناق)، وهو ما لم يربط بينه علم النفس إلا متأخرًا.
التعبير بالاستعارة الجسدية: شبّه القرآن الضيق النفسي بالاختناق الجسدي عند الصعود للسماء، قبل اكتشاف الطب الحديث لأثر انخفاض الضغط ونقص الأكسجين في المرتفعات.
مفهوم الفطرة: انشراح الصدر للإسلام تصوير لانجذاب النفس إلى ما يوافق فطرتها، بخلاف الانقباض الذي يعكس صراعًا داخليًا.
قانون الهداية: سبق القرآن في بيان أن القلوب بيد الله، وهذا يعكس بعدًا روحيًا يتجاوز التفسيرات المادية البحتة.
الربط بين الهداية والعقوبة: أوضحت أن الحرمان من الطمأنينة هو عقوبة بحد ذاته، قبل العقوبات الأخروية، وهذا تصور نفسي عميق.
سادسًا: الخلاصة
الآية تضع قانونًا نفسيًا وروحيًا: الإيمان يفتح الصدر بالسكينة، والكفر يضيّق الصدر بالقلق والحرمان. وهي بليغة في تصوير أثر الإيمان على الراحة الداخلية، وأثر الضلال على الاضطراب النفسي.
...........................