﴿إنما نحن مصلحون﴾: الإنكار الدفاعي في سلوك المنافقين
﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ [البقرة: 11]
تسلّط تفسيرات المفسرين الأربعة الضوء على مضمون الآية الكريمة التي تتحدث عن المنافقين الذين يُفسدون في الأرض، ثم يُدّعون أنهم مصلحون، في محاولة للتمويه والخداع.
فقد أوضح الإمام الطبري أن الفساد المقصود في الأرض يتمثل في الكفر والنفاق والإضرار بالناس، سواء في معتقداتهم أو علاقاتهم أو مصالحهم. وبيّن أن هؤلاء المنافقين عندما يُواجهون بالحقيقة يردّون بقولهم: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾، رغم أنهم كاذبون في زعمهم هذا، وهي محاولة لتبرير ما لا يُبرر.
بيّن القرطبي أن هذه الآية الكريمة تأتي في سياق العناد والكذب، إذ يرى أن المنافقين يفسدون وهم يظنون أنهم على صواب، أو يتظاهرون بالإصلاح وهم في حقيقتهم مفسدون. ويعتبر هذا الشكل من التصرفات من أبرز مظاهر النفاق؛ حيث تتناقض الأقوال مع النيات والأفعال.
أما ابن عاشور فقد اعتبر الآية فضحًا صريحًا للسلوك المخادع للمنافقين، مشيرًا إلى أن فسادهم لا يقتصر على المظاهر وإنما يتعدّى ذلك إلى العقائد والأخلاق، فهم يُمارسون الإفساد ويُدّعون الإصلاح، إما لخداع الناس أو خداع أنفسهم وهم غارقون في التناقض الداخلي.
في حين رأى السعدي أن الفساد الذي يُمارسه المنافقون يشمل الإضرار في الدين والدنيا على حد سواء، فهم يسعون إليه بأقوالهم وأفعالهم، ثم يتذرّعون بأنهم مصلحون. واعتبر هذا الزعم مغالطة منشؤها الجهل بحقيقة الصلاح، أو العناد في مواجهة الحقيقة.
الشرح والتفسير
الآية تسلط الضوء على السلوك الازدواجي، حيث يقوم بعض الناس بإفساد حقيقي، لكنهم يزعمون الإصلاح.
﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ﴾: تنبيه للمنافقين بأن سلوكهم يسبب ضررًا كبيرًا على المجتمع والدين.
﴿قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾: رد دفاعي فيه إنكار للمشكلة وتبرير ذاتي، وهو أسلوب دفاعي معروف نفسيًا.
الآية تكشف عن التناقض بين القول والفعل، وبين الصورة التي يرسمها الإنسان لنفسه والواقع الفعلي.
التحليل النفسي
ما يظهر في الآية هو الإنكار الدفاعي (Defensive Denial)، حيث يرفض الفرد الاعتراف بسوء أفعاله ويبررها بطريقة ملتوية.
هذه الحالة النفسية ترتبط بـ التبرير المعرفي (Cognitive Rationalization)، أي استخدام المنطق الزائف لتجميل الفعل الخاطئ.
ادعاء الإصلاح مع الفساد الحقيقي يمثل حالة من التشويش الأخلاقي (Moral Confusion)، حيث تختلط الحدود بين الصح والخطأ.
هذا النوع من السلوك قد ينبع من الغرور الأخلاقي (Moral Narcissism)، أي اعتقاد الفرد بأنه على صواب دائمًا، حتى وإن كانت أفعاله مدمرة.
كما يمكن ربطه بـ العجز عن إدراك الأثر الاجتماعي (Social Impact Blindness)، وهو عدم الشعور بتأثير السلوك على الآخرين.
المفاهيم النفسية والسلوكية
تعكس هذه الآية جانبًا نفسيًّا دقيقًا يرتبط بسلوك المنافقين، إذ تظهر لديهم حالة الإنكار الدفاعي (Defensive Denial) ، وهي رفض الاعتراف بالخطأ أو بالمشكلة كردّ فعل نفسي يهدف لحماية الذات من الشعور بالذنب أو الفشل. في قولهم: ﴿قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾، نجد أنهم يُنكرون تهمة الإفساد رغم ظهور آثارها، وهو ما يشير إلى انغلاقهم أمام النقد الذاتي.
ويُضاف إلى ذلك التبرير المعرفي (Cognitive Rationalization)، وهو لجوء النفس إلى استخدام حجج زائفة لتبرير الأفعال السلبية. فهم يستعملون مصطلح "الإصلاح" كغطاء للسلوكيات المُفسدة، مما يعكس محاولة لتضليل الذات والآخرين وإضفاء شرعية وهمية على تصرفاتهم.
وتظهر حالة التشويش الأخلاقي (Moral Confusion) حين يعجز الفرد عن التمييز الواضح بين السلوك الأخلاقي واللاأخلاقي. فهؤلاء يزعمون أنهم مصلحون، بينما واقعهم وسلوكهم يدل على العكس. هذا التناقض يشي بخلل داخلي في الفهم الأخلاقي.
أما الغرور الأخلاقي (Moral Narcissism) ، فهو اعتقاد بأن الفرد دائمًا على حق أخلاقيًا، ولا حاجة لديه للمراجعة أو التعديل. المنافقون يعيشون هذه الحالة، إذ يظنون أنهم على صواب حتى أثناء إفسادهم، ويرون أنفسهم فوق النقد، ما يُصعّب عملية التغيير والتوبة.
ويكتمل المشهد بوجود العمى عن الأثر الاجتماعي (Social Impact Blindness)، وهو غياب الإحساس بتأثير الأفعال على الآخرين. فالمنافقون يفسدون دون إدراك لنتائج أفعالهم على المجتمع، ما يشير إلى انفصالهم عن البُعد الاجتماعي للأخلاق والمسؤولية.
وفي مقابل هذه الحالات النفسية، تبرز مجموعة من السلوكيات الداعمة التي تعزّز الصحة النفسية والاجتماعية:
تعزيز الوعي الأخلاقي من خلال تنمية القدرة على التمييز بين الخير والشر الحقيقي، ما يُقلّل من التشويش الأخلاقي ويزيد من التوازن الشخصي.
التقييم الذاتي الصادق يساعد الفرد على مراجعة نواياه وسلوكياته بصدق، ويحدّ من الإنكار والتبرير، مما يُسهم في بناء شخصية أكثر اتساقًا.
محاسبة النفس المستمرة تُمكّن الإنسان من التأمل في العواقب الأخلاقية والاجتماعية لتصرفاته، مما يقلّل من العمى الأخلاقي، ويُعزّز شعور المسؤولية.
وأخيرًا، فإن التواضع السلوكي يُعد ممارسة تربوية ووجودية تُساعد على الاعتراف بالإمكان للخطأ، وتفتح باب الإصلاح الحقيقي، مما يُعزّز القبول المجتمعي والثقة المتبادلة.